لم يكن لهذه المواهب والمزايا قاطبةً من منشأ سوى العنايات الإلهية الخاصة وألطاف سيدنا وآبائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. ولعلّه يمكن تلخيص ما استجلب هذه العنايات والألطاف نحو ذاك العظيم في سعيه ومجاهدته الدؤوبة والمخلصة في سبيل إعلاء كلمة الحق.
ولكن، وعلى نحو خاص، وإلى جانب صعوبات النضال ضد جهاز الحكم البهلوي الخائن، فقد نهل سماحته كثيرًا من معين فرصة خاصة أخرى في مسار أداء الواجب، وهو أمر لا يعلمه عامة الناس عادةً.
فقد قُدّر لهذا السيد الشاب، الشغوف بالعلم والسبّاق للعمل، في الوقت الذي كان فيه والده المكرم معرّضًا لفقدان البصر، وبعد سنوات من التلمذة في محضر أساتذة رفيعي المقام، أن يتخلّى عن المجالات كلها المتاحة للتقدم العلمي وصناعة المستقبل في قم، ويقِف نفسه لوالده واضعًا ثقته في الفضل الإلهي.
وقد تجلى التفضل الإلهي إثر هذا الإيثار بأن بزغ نجم السيد علي الخامنئي فجأة قبل سن الثلاثين كشمسٍ بازغةٍ من خراسان، وسرعان ما غدا ركنًا من أركان الفكر والنضال، محقّقًا في الوقت ذاته تقدمًا ملحوظًا في العلوم المتداولة؛ لدرجة أن جهاز السافاك أطلق عليه في سبعينيات القرن الماضي لقب «خميني خراسان».
وعليَّ التأكيد أنَّ مَسارَ الارتقاء الباطني والظاهري لسماحته قد استمر في المراحل اللاحقة أيضًا. الآن، وفي مقام الاستلهام من سيرة العظماء ولا سيما مثل هذه الشخصية الفذة، فإنه لمن الأنسب بمكان أن نجعل من صفة «إخلاص النصح للآخرين» و«المواساة» نهجًا لنا؛ فهذه السِمة، وما يقترن بها من التطلع إلى رحمة الله الواسعة، تشكّل فارقًا جوهريًا بين من يقف تحت راية الحق ومن تحلّقوا حول راية الباطل.
ومما لا ريب فيه أنَّ التزام مثل هذا النهج سيكون مفتاحًا مشرّعًا لأبواب السماء ومستنزلًا لشتى صنوف الإمداد الإلهي والغيبي؛ بدءًا من هطول غيث الرحمة، وصولًا إلى التغلّب على العدو، بل وتحقيق القفزات العلمية والتكنولوجيّة.
في هذه الأيام، يتردد على الألسن كثيرًا ذكرُ فريد عصره، حيث تستحضره فئاتٌ مختلفة من أبناء شعبنا العزيز بمشاعر مفعمة بالحق والحسرة، وتتجلى يومًا بعد يوم جوانب جديدة من الجوهر الوضّاء لشخصيته السامية.
كما إن التوجه نحو التأسي بأفعال ومواقف خاصة لسماحته آخذ في الاتساع تدريجيًا؛ ومن جملة ذلك، استلهام شعبنا العزيز الدروسَ من قبضة يده المحكمة لحظة استشهاده، حتى غدت تلك «القبضة المحكمة» لدى بعض الأشخاص رمزًا مشتركًا للعقيدة. هكذا يثبت مرة أخرى أن أثر الشهيد يفوق أثر الحي الحاضر، وأن صوته الصادح بالدعوة إلى التوحيد ونصرة الحق ومقارعة الظلم والفساد بات أشد صدىً، ورسالته أكثر نفوذًا مما كانت عليه في حياته، كما إن الأمنية القلبيّة لهذا الشهيد العظيم القدر، والمتمثّلة في سعادة هذا الشعب وسائر الشعوب الإسلامية، أصبحت اليوم أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.
بإذن الله تبارك وتعالى، وبفعل هذا الحضور المؤثّر واستمراره، فإنّ الأفق الذي يرتسم أمام شعب إيران يبشّره بظهور مرحلةٍ مهيبةٍ ومشرقةٍ ومفعمةٍ بالعزّة والشموخ والغنى. حين تولّى قائدنا الشهيد زمام القيادة، كان نظام الجمهورية الإسلامية أشبه بغرسةٍ طريّة نالت منها جراحٌ عدة من أعداء الإسلام وإيران، لكنّها تحمّلتها كلّها على خير وجه. لكن حين غادر، بعد ما يقرب من 37 عامًا، كرسي زعامة الأمّة، ترك خلفه شجرةً طيبةً قد اشتدّ أصلها، وبسطت أغصانها وألقت بظلالها على أجزاء واسعة من المنطقة والعالم.
إنّ سبيل الوصول إلى «إيران الأقوى أكثر فأكثر» يمرّ عبر الوحدة بين مختلف فئات المجتمع، وهو ما كان موضع تأكيدٍ متكرّرٍ من سماحته. وقد تجلّى جانب كبير من هذه الوحدة في هذه الأربعين يومًا؛ إذ تقاربت قلوب الناس، وبدأ الجليد الفاصل بين الفئات المختلفة ذات التوجّهات المتباينة بالذوبان، والتفّ الجميع تحت راية الوطن، وراح عدد هذا الجمع ونوعيّته يزدادان يومًا بعد يوم. وكثيرٌ من الذين لم يبلغوا بعدُ هذا النوع من الحضور، هم في قلوبهم مؤيّدون للحشود الحاضرة في الساحات ومتناغمون معها.
في هذه الأيّام، يختبر كثيرون نظرةً حضاريةً وهم يحدّقون في الآفاق البعيدة، ويرسمون لأنفسهم صورةً ليست وهمية، بل مستندة إلى حقائق حاضر الخلق ومستقبله. وهذه سمةٌ لم يكن يُرى مثلها، حتى وقتٍ قريب، إلا في عددٍ قليلٍ كان قائدنا الشهيد في طليعتهم. وهكذا يدرك كلّ ناظرٍ النموّ السريع والإعجازي لهذا الشعب، وليس من قبيل المصادفة أنّ حكيم العصر المعروف وفقيهه الجليل، حين يتحدّث إليكم في هذه الأيّام عن هذه المكانة، كثيرًا ما تعترض غصّة الحلق طريق كلماته.
وفي هذا المقام، أقول لجيران إيران الجنوبيين: إنّكم تشاهدون الآن معجزةً. فابصروا على نحوٍ صحيح، وافهموا على نحوٍ صحيح، وقفوا في المكان الصحيح، وأسيئوا الظنّ بوعود الشياطين الكاذبة. ولا نزال ننتظر منكم موقفًا مناسبًا لكي نُظهر لكم أخوّتنا وحسن نيّتنا تجاهكم. وهذا لا يتحقّق إلا بإعراضكم عن المستكبرين الذين لا يفوّتون أيّ فرصةٍ لإذلالكم واستغلالكم.
وليعلم الجميع أنه: بإذن الله تعالى، نحن قطعًا لن نترك المعتدين المجرمين الذين هاجموا بلدنا. وسنطالب حتمًا بتعويض كلّ ضررٍ وقع واحدًا واحدًا، وبدماء الشهداء، وبدية الجرحى في هذه الحرب، وسنُدخل حتمًا إدارة مضيق هرمز في مرحلةٍ جديدة. نحن لم نكن طلاب حربٍ ولسنا كذلك، ولكنّنا لا نتخلّى بأيّ وجهٍ عن حقوقنا المشروعة، وفي هذا الاتجاه نضع جبهة المقاومة بأكملها نصب أعيننا في هذ المسار.