وسأستعرض بعض هذه الأقوال لتكون مجرد مؤشر على هذا الإتجاه وسأعقب عليها بما أراه :
تطور التشيع
1 - رسم الدكتور عبد العزيز الدوري هذا التطور عن طريق تقسيمه للتشيع إلى روحي بدأ أيام النبي عليه الصلاة والسلام وسياسي حدث بعد مقتل الإمام علي ، وقد استدل لذلك بأن التشيع بمعناه البسيط دون باقي خواصه الاصطلاحية قد استعمل
في صحيفة التحكيم التي نصت على شيعة لعلي وشيعة لمعاوية مما يعطي معنى المشايعة والمناصرة فقط دون باقي الصفات والأبعاد السياسية التي حدثت بعد ذلك ( 1 ) .
2 - محمد فريد وجدي في دائرة المعارف قال : " الشيعة هم الذين شايعوا عليا في إمامته واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده ويقولون بعصمة الأئمة من الصغائر والكبائر والقول بالتولي والتبري قولا وفعلا إلا في حال التقية إذا خافوا بطش
ظالم وهم خمس فرق : " كيسانية وزيدية وإمامية وغلاة وإسماعيلية " وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال وبعضهم إلى السنة وبعضهم إلى التشبيه " ( 2 ) .
إن هذه المقتطفة من فريد وجدي سبق أن ذكرت قسما منها في التعريف بالتشيع ، وذكرت هنا المقتطفة بكاملها ليتضح منها أن مضمونها يغطي التشيع منذ أيامه الأولى حتى الآن لأن من الواضح أن هذه المضامين لم تولد دفعة واحدة وإنما دخلت
لمضمون التشيع تدريجا ، وقد خلط فريد وجدي فيها بين السمات والمقومات وجعل من ليس من الشيعة منهم ونسب لهم ما هم منه براء ولا أريد أن أتعجل الرد عليه فستمر علينا أمثال هذه النسب والرد عليها في مكانها من الكتاب .
* ( هامش ) *
( 1 )مقدمة في تاريخ صدر الإسلامص 72 . ( 2 )دائرة معارففريد وجدي ج 5 ص 424 . ( * )
- هوية التشيع - الدكتور الشيخ أحمد الوائلي ص 15
3 - الدكتور كامل مصطفى في كتابه الصلة قال : " ويتضح بعد ذلك أن التشيع قد عاصر بدء الإسلام باعتباره جوهرا له ، وأنه ظهر كحركة سياسية بعد أن نازع معاوية عليا على الإمارة وتدبير شؤون المسلمين ويتبين بعد ذلك أن تبلور الحركة
السياسية تحت اسم الشيعة كان بعد قتل الحسين عليه السلام مباشرة وإن كانت الحركة سبقت الاصطلاح وبذلك يمكننا أن نلخص هذا الفصل في كلمة بيانها أن التشيع كان تكتلا إسلاميا ظهرت نزعته أيام النبي وتبلور اتجاهه السياسي بعد قتل
عثمان واستقل الاصطلاح الدال عليه بعد قتل الحسين ( 1 ) . وواضح من هذا النص أن التشيع مر بأدوار تطور فيها كما يقول كامل :
4 - الدكتور أحمد أمين قال : " إن التشيع بدأ بمعنى ساذج وهو أن عليا أولى من غيره من وجهتين : كفايته الشخصية وقرابته للنبي ، ولكن هذا التشيع أخذ صيغة جديدة بدخول العناصر الأخرى في الإسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية ،
وحيث أن أكبر عنصر دخل في الإسلام الفرس فلهم أكبر الأثر بالتشيع " ( 2 ) ، وواضح هنا مما ذكره أحمد أمين أن التشيع
تطور لا بشئ من داخله وإنما بإضافات واسباغ من عناصر أخرى دخلت الإسلام واختارت التشيع فنقلت ما عندها من أفكار
وعقائد إليه حتى أصبحت جزءا منه وإن الفرس بالذات تركوا بصماتهم على المذهب أكثر من غيرهم كما يريد أحمد أمين أن يصوره ، وهو زعم أخذه أحمد أمين من غيره وغيره أخذه من غيره وهكذا حتى أوشك أن يصبح من الأمور المتسالم عليها عند الباحثين وقريبا سأوقفك على زيف هذه الدعوى والهدف من الإصرار على ربط التشيع بالفارسية شكلا ومضمونا .
" - بعد ذكر الرواد من الشيعة - والتشيع بالنسبة للشيعة المتأخرين مثل الزهد في عصر الرسول والخلفاء الراشدين والفرق بينه وبين التصوف الذي شابته عناصر غنوصية وتأثر بتيارات فكرية متباينة كما عرف لدى محيي الدين ابن عربي والسهروردي مثلا " ( 1 ) .
وبعد أن استعرضنا هذه الأمثلة من أقوال الكتاب التي فرقوا بها بين التشيع في الصدر الأول وما تلا ذلك من عصور أود أن أعقب على ذلك بما يلي :
1 - أن كمية الأفكار والمعتقدات في المضمون الشيعي تتسع في الأزمنة المتأخرة عما كانت عليه في الصدر الأول دون
شك في ذلك ولكن هذه الزيادة ليست أكثر من المضمون الأصلي للتشيع وإنما هي تفصيل وبيان لمجمله ، إنها ليست بإضافة
أجزاء وإنما هي ظهور جزئيات انطبق عليها المفهوم الكلي للتشيع وقد ظهرت هذه الجزئيات بفعل تطور الزمن ، وكمثال لذلك : موضوع النصوص التي وردت على لسان النبي عليه الصلاة والسلام هل هي مجرد إشارة لفضل الإمام علي أم أنها
على شكل يلزم المسلمين بالقول بإمامته وعلى نحو الوصية له بالخلافة وتبعا لذلك هل أن هذه الإمامة تقف عند حد المؤهلات
أم أن الإمام يجب أن يكون النموذج المثالي فيكون أشجع الناس وأعلم الناس وأعدل الناس وهكذا تبرعم موضوع العصمة
وغيره ، وكل هذه الأمور داخلة في صلب موضوع الإمامة وليست هي بأمور زائدة على الموضوع بل اشتقاقات أولدها التطور الفكري وزيادة أعداد وأنواع معتنقي المذهب .
2 - إن مثل هذا التطور كمثل كل تطور حدث ، ومن ذلك تطور الإسلام بصفته مقسما للمذاهب ، فالمسلمون منذ وجدوا كان من عقيدتهم الاعتراف بالله عز وجل ووجوده وحدانيته واتصافه بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص وكل ذلك على
نحو الإجمال ، وعندما اتسعت مجالات التفكير وانفتح العالم الإسلامي على أمم وثقافات متنوعة ، تبرعمت أسئلة وجدت أفكار فرجع