التجريد فيه قسمان: قسم مرتبط بالفلسفة وقسم مرتبط بالعقائد ( الكلام ) وبما أنهما منافيان لبعضهما فما الذي جمعهما هنا؟
وبعد أن انتهينا من الدرس السابق حول علم الكلام،
نسأل اليوم ما هو السلاح الذي يتسلح به المدافع عن الدين ؟
وهنا نعرف الجواب عن السؤال الأول :
فالمتكلم قبل طروء الفلسفة – اليونانية منها لأن الفلسفة بالأصل موجودة في الإسلام – كان يدافع بالكلام حيث كان يصنع السلاح ويدافع به ويؤسس القاعدة ويبرهن بها ويدافع
ويوجد بعض الفروق الموجودة بين علم الكلام والفلسفة فالغزالي كان يعارض الفلسفة في كثير من أفكارهم وخاصة في كتاب " تهافت الفلاسفة "
إذن فعلم الكلام كان كما يعبر بعضهم علما مولدا وعلما مستهلكا أي له قواعد خاصة به ويستهلكها للدفاع عن الدين
الغزالي والرازي كادا أن يقضيا على الفلسفة لولا المحقق الطوسي الذي جاء إلى الكلام ( الدفاع عن الدين ) فوجده قد بنى قواعد ومباني قابلة للمناقشة قد تؤدي إلى هدم الدين لذلك فقد قام بهدم هذه القواعد ووضع مكانها مباني الفلسفة وبذلك صار علم الكلام مستهلكا وصارت الفلسفة مولدة ( وصار المتكلم يفكر بعقل الفيلسوف )
فمن هنا صار هذا الكتاب ( تجريد الاعتقاد ) على قسمين قسم كلام وقسم فلسفة وقد كان هدف المحقق الطوسي إثبات الإمامة عبر مباني الفلسفة
وهنا يطرح سؤال مهم: ما هو الفرق بين الفيلسوف والمتكلم ؟
أن المتكلم دائما ينطلق من النص ( الكتاب والسنة ) فهو يدافع على ما هو موجود فيه فقط وأما الفيلسوف فلا يرتبط بالنص، فالفلسفة موجودة وإن لم يكن هناك دين، فالفلسفة مرافقة للإنسان وإن كان مادي لا دين له
أن الحكيم لا يبحث الجزئيات فهو يبحث في الأمور الكلية فهو مثلا يثبت أن البشر بحاجة إلى نبي ولا يبحث عمن هو النبي... بينما المتكلم يبحث في الجزئيات ومن هنا وظيفة المتكلم أعد وأثقل
والنتيجة أنه: لا الفلسفة مغنية عن الكلام ولا العكس
وأن الانسان إذا أراد أن يقوم بوظيفة الدفاع عن الدين فعليه أن يكون مطلعا على المبادئ الفلسفية والعلوم الكلامية
وهذه المقدمة هي هل أن الوجود هو المادة أم لا ؟ فإذا ثبت أن الوجود هو المادة فلا نستطيع البحث بالإلهيات
على مستوى الفكر البشري يوجد اتجاهان: مثالي وواقعي
1. المثالي: يقول أن الأمور التي أعلمها أو أدركها لا تخرج عن صفحة النفس أي ليس لها وجود ما وراء النفس أي ليس لها واقعيات وراء هذه الأمور الذهنية تحكي عنها
2. الواقعي أو المادي: يقول عكس ذلك أي أن هناك وراء هذه الأمور واقعيات تحكي عنها
والسؤال هنا هل هذا الواقع الذي تحكي عنه مساوي للمادة أم لا ؟!
إذن هناك ثلاث اتجاهات على الأحرى:
1. مثالي
2. واقعي مادي
3. واقعي إلهي
أي واقعي يعتبر أن الوجود يساوي المادة وواقعي لا يعتبر الوجود مساو لها
ملاحظة: يوجد مغالطة عند المادي أنه كل من لا يعتبر الوجود فقط مادة فهو مثالي وهذه مغالطة إذ أن هذا هو أيضا واقعي ولكنه واقعي إلهي
س: ما الفرق بين المدرسة المادية والمدرسة الإلهية؟
ج: هل الفرق في الواقعية ؟ كلا فكلاهما واقعيان فنحن نتفق مع المادي في وجه ونختلف في وجه ، فنحن مثلا نتفق معه في الحقائق العلمية المادية كأن يقول أن الماء مؤلف من الأوكسجين والهيدروجين، إذن نحن نتفق معه في الجانب الإيجابي ونختلف في الجانب السلبي فهي ينفي ما وراء المادة ونحن نثبته
والسؤال هنا: هل أن إثبات أو نفي ما وراء المادة على المادي أم على الإلهي أم عليهما معا ؟
ج: الدليل ليس على الإلهي فقط بل على الإلهي والمادي فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل فالنفي أيضا يحتاج إلى دليل فهو لا يستطيع أن يقول لا وجود لله بل يستطيع أن يقول لا دليل لي على وجود الله تعالى أو على نفيه
إذا أراد أن يقيم دليلا على عدم وجود الله مثلا فهو يعطيك دليلا تجريبيا وهذه مغالطة فالموضوع يحتاج إلى دليل عقلي فلسفي
إذن فالنزاع بين المادي والإلهي نزاع عقلي