وفي الفصل الثاني عرض طه عبد الرحمن مبدأ التفصيل وتطبيقاته على نظام الأسرة الغربية، ليخلص إلى ما يشبه المفارقة بخصوص نظام هذه الأسرة؛ فأسرة ما بعد الحداثة هي مثل الأسرة الحداثية وضدها في ذات الوقت، (وليدتُها وضرَّتُها معاً)، فهي انبنت على ما انبنت عليه الأسرة الحداثية من مبادئ فصل الأخلاق عن الدين؛ أي مبدأ التوجه إلى الإنسان، ومبدأ التوسل بالعقل، ومبدأ التعلق بالدنيا، ولكنها في الوقت ذاته أخذت بأخلاق الإمّعية؛ إذ أخذت الأسرة الحداثية بأخلاق المروءة، وأخذت بأخلاق الحظ، حيث أخذت هذه بأخلاق الإلزام، وأخذت بأخلاق اللعب، حيث أخذت هذه بأخلاق السعادة.
وعلّة هذا الانقلاب -في رأي طه عبد الرحمن- هي أن الأسرة الحداثية رغبت في الحمل بما لا طاقة لها بحمله؛ فقد رغبت في أن تحمل رُوح مُثُلٍ أخلاقية عليا، ولكنها لم تقدر على حمل سرّ هذا الروح فهي رغبت في حمل روح المعية الرافعة، ولم تطق حمل سرّ التعالي، ورغبت في حمل روح الالتزام القيم، ولم تطق حمل سر الفطرة، ورغبت في حمل روح الحياة الطيبة المتصلة، ولم تطق حمل سر الخلود، وحمل الروح بغير سر هو بمنـزلة حمل جسم بلا روح. والأسرة الما بعد حداثية هي هذا الجسم بلا روح، فقد نشأت على المعية الخافضة، وهي معية لا روح فيها، وعلى الالتزام الهين، وهو التزام لا روح فيه، وعلى الحياة المنفصلة، وهي حياة لا روح فيها. والعبرة في كل هذا أن الأسرة الحداثية قد خرجت عن مقصودها، وكل خروج عن المقصود هو تنبيه على وجوب الدخول في التصحيح، ولا تصحيح للأسرة بغير عودة الروح إليها، وهذه الروح لا تنفخها فيها إلا قيم التعالي والفطرة والخلود.
والحاصل أنه لا يمكن للأسرة الحداثية أن تحفظ نفسها من انقلاب مقصودها إلى ضده إلا إذا تخلت عن التفصيل المطلق، وسلكت طريق التفصيل الموجه الذي تأخذ به الحداثة الإسلامية، فهو الذي بمقدوره أن يجعل معية الأفراد داخل هذه الأسرة تتشبه على أجمل وجه بمعية المتعالي مع خلقه، فيكون كل فرد مع غيره بكل غيريته مع تمام حفظه لخصوصيته الأخلاقية، كما أنه بمقدوره أن يجعل التزامات كل واحد من أفراد الأسرة تحفظ على أفضل وجه القيم الحسنى التي تتكون منها الفطرة الإنسانية، فيقوم كل منهم بأفعاله على اعتبار أنه لا تزيد في أخلاقيته وإنسانيته داخل أسرته هو فحسب، بل إنها تزيد في أخلاقية وإنسانية الخلق جميعاً داخل العالم كله، وهو الذي بمقدوره أن يجعل حياة كل واحد من أفراد هذه الأسرة تتشبه بحياة الخلود، عندما يعي أن أفعاله تتعدى حياته إلى مستقبل يمتد إلى الأبد.