20- الشاب السكير
ورد في كتاب" منهج الصادقين " ان ذا النون المصري ، ذلك الرجل الشريف الذي يعد من جملة عرفاء عصره ، كان ماراً ذات يوم إلى جانب نهر النيل في مصر، اذ وقع بصره بغتة على عقرب رآها تحث السير نحو نهر النيل .. فقال في نفسه : لا شك ان لدى هذه العقرب مهمّة عاجلة ، فاقتفى اثرها إلى ان وصلت إلى حافة الماء ، فجاءت سلحفاة والتصقت إلى جانب العقرب ،فركبت هذه فوق ظهرها وسارت بها السلحفاة صوب الجانب الآخر من النهر .
اخذ ذا النون زورقاً على وجه السرعة وسار نحو الجانب الاخر ايضاً .. ولما وصلت السلحفاة إلى الجانب الآخر التصقت بساحل النهر ونزلت العقرب، وسارت في طريقها .. وبقي ذا النون يسير وراها إلى ان وصلت إلى شجرة كان إلى جانبها شاب قد وقع من شّدة السكر ، وبقربه افعى رافعاً راسه عند صدر ذلك الشاب الذي كان فاتحاً فاه، والأفعى على وشك ادخال رأسها في فمه .. فجاءت العقرب وصعدت فوق الأفعى ولدغتها في رأسها ، فسقطت وعادت العقرب ادراجها .
ظل ذا النون حائراً في معرفة السبب الذي من اجله حفظ الله هذا الفتى .. فايقظه حتى استعاد وعيه ، وقال له : انهض اريد ان اعرف حقيقة امرك ، وأنى لك ان تكون خصماً لله ؟.. نظر الشاب فرأى إلى جانبه افعى ، وقص عليه ذا النون الحكاية فاخذ بالبكاء .. وقيلأنه تاب وندم على ما سلف منه ، وبقي ملازماً لذي النون لا يفارقه ، وطلب منه أن يرشده إلى طريق الهداية ، وإلى ما فيه العفو والمغفرة.. فاستجاب له واصطحبه إلى مدينة مصر، ودأب هناك على العبادة والتبتل إلى الله ، حتى صار من جملة الأخيار والصالحين .
قال الشاعر :
وأي المحارم لم تنتهك واي الفضائح لم تأتــها
كأني بنفسك قد عوجلت على ذاك في بعض غراتها
وقامت نوادبها حسراً تداعي برنة اصواتــها
الم تر أن دبيب الليالي يسارق نفســـك ساعتها ديوان أبي العتاهية: ص99
أقبل جماعة من الاوباش ذات يوم على الحاج مؤمني ، وكان من أصحاب المرحوم الشيخ محمد تقي المجلسي رضوان الله عليه ، وقالوا له: سنأتي هذه الليلة إلى دارك .. تحيّر الرجل في امره ؛ لأنهم ان جاءوا إلى داره يأتون معهم بالات الطرب واللهو ، ويمارسون الفسق والفجور ، واذا هو منعهم فسوف ينصبون له العداء ، ويجلبون له المتاعب على الدوام .. فاضطر للاستجابة لطلبهم ، وتوجه إلى المرحوم الشيخ المجلسي محتاراً ، وذكر له المأزق الذي هو فيه .
فكر المرحوم المجلسي وقال : لاضرر في مجيئهم فلياتوا ، وسوف أأتي انا أيضاً .. أعدَّ الرجل المجلس وجاء الشيخ المجلسي قبل الاوباش .. ولما دخلوا وجدوا الشيخ المجلسي قد حضر ، ولن يتسنى لهم بوجوده ان يمارسوا الطرب واللهو كما يحلوا لهم .
توهّم أحدهم انه يجب ان يقول شيئاً يغيظ به المجلسي حتى يغضب ويغادر المجلس ، وتكون لهم الحرية في اللعب واللهو ؛ فبادر بالقول : ايها السيد!.. ماالعيب الذي يراه الناس في سلوكنا ويؤاخذونا عليه ؟.. قال الشيخ المجلسي : وما السلوك الحسن الذي يستحق المدح فيكم ؟.. قال : حتى وان كان فينا الف عيب ، فنحن معروفون بالوفاء ؛ اذا اكلنا الملح والخبز والطعام عند أحد لا ننسى ذلك طوال حياتنا .
قال الشيخ المجلسي : هذه خصلة حميدة ، ولكنّي لااراها فيكم ..قال الشخص : اسال عنا من شئت ، وانظر هل اكلنا الملح والطعام عند أحد، ثم أسأنا اليه ؟..
قال المرحوم المجلسي : اشهد انكم وان كنتم تراعون لأحد حرمة ،فانكم لاتراعون لله أية حرمة، تأكلون من نعمته وتعصونه .
أثّرت كلمات الشيخ هذه في نفوسهم جميعاً ، فأخذهم الخجل، ولم يتحدثوا بكلمة واحدة ، ثم انهم غادروا بعد برهة.. وفي الصباح الباكر طرق الأوباش باب الشيخ المجلسي وقالوا : لقد نبّهتنا البارحة من غفلتنا ، وجعلتنا نندم على اعمالنا ، فاتتم فضلك علينا ، وارشدنا الى ما فيه صلاحنا .
ودأب الشيخ على ارشادهم الى طريق التوبة وعمل الخير .
قال الشاعر :
يا أخـوتي آجـالنا تـقرب ونحن مع الاهلين نلهو ونلعب
اعدد ايامي واحصي حسابها وما غفلتي عما اعد وأحسب
غداً أنا من ذا اليوم ادنى الى الفنا وبعد غدٍ أدنى اليه وأقـرب . ديوان أبي العتاهية: ص38