أما الباب الثالث (التطبيق الإسلامي لمبدأ الشمول الحداثي) فتناول فيه الحديث عن مفهومين اشتهرا في الفكر السياسي الحداثي، هما مفهوما المواطنة والتضامن. فالمواطنة تشكل -كما يقول طه عبد الرحمن- المجال الذي تجلَّى فيه على وجه أفضل تطبيق ركن التوسع من أركان الحداثة، وقد جعل التطبيق الغربي لهذا الركن من المواطنة سلوكاً مبْنِيَّاً على مبدأ إقامة العدل في المجتمع؛ إذ كانت محل تصورين حداثيين أساسيين هما: التصور "الليبرالي" والتصور"الجماعاني". وقد ظهر أن التصور "الليبرالي" يفضي إلى إيقاع المواطنة في انفصال مثلث هو: "انفصال الذات عن الواقع" حين يطلب منه أن تكون مشاركته السياسية والاجتماعية فعلية، على حين لا يطلب منه الدخول في ممارسة سلوكية حية؛ و"انفصالها عن الآخر" حين يُجعل المواطنون ذواتاً فردية داخل المجتمع لا يعنيها غير تحصيل الحقوق المادية وتوسيع دائرتها؛ و"انفصالها عن نفسها" بفقدانها المقاصد والرؤى الأخلاقية التي يتولد عنها اختلاف الرؤى الأخلاقية باختلاف المواطنين، بل باختلاف أحوال المواطن الواحد.
كما ظهر أنَّ التصور "الجماعاني" يفضي إلى إيقاع المواطنة في انغلاق مثلث هو: "انغلاقها في الجماعة"، بالولاء للجماعة والتعصب الأعمى لها، و"انغلاقها في الخصوصية"، بالتركيز على الفوارق بين الجماعة وبين غيرها، و"انغلاقها في العادات" بالانغماس في التقليد والجمود حرصاً على التميز المزعوم.
أما المواطنة الصالحة فلا تكون إلا مواطنة متصلة ومنفتحة؛ أي عبارة عن مؤاخاة؛ ذلك أن هذه المواطنة (الصالحة) تقوم على مفهومين أساسيين هما: الإخلاص والتجرد. فأما الإخلاص فهو الذي يؤدي إلى التخلص من الأسباب التي تبعث على الظلم؛ ظلم الإنسان لنفسه، وظلمه لغيره.كما أن إخلاص المواطنة في مفهومها الإسلامي ممارسة لا تنتهي؛ لأن العدل فيها ليس رتبة واحدة وإنما هو رتبٌ متعددة.
والحال أن المواطنة الموصولة والمفتوحة؛ أو المؤاخاة، لا تتحقق إلا مع التطبيق الإسلامي لركن التوسع، ذلك أن المبدأ الذي يقوم عليه هذا التوسع الخاص؛ أي "مبدأ الإخلاص"، يحقق للمواطن الاتصال، فيجد نفسه موصولاً بالعدل، لا فعلاً أو صفة فحسب، بل ذاتاً علية قائماً بحقوقها، وأيضاً موصولاً بالآخر متولياً دفع الظلم عنه، وأخيراً موصولاً بنفسه، مشتغلاً بدفع ظلمها.
كما أن مبدأ الإخلاص الذي تقوم عليه يجعل المواطن مطمئناً إلى واقعية مشاركته وأصالتها، متيقناً من سلامة أصلها الروحي (الإلهي) وخيريته، ويجعل المواطن ينظر إلى حقوقه على أنها حظوظ، وإلى حقوق غيره على أنها واجبات، وهذا يدعوه إلى أن يقدم اعتبار واجباته على اعتبار حقوقه، لعلمه أن الحق لا يضيع والواجب لا ينتظر. فالمواطنة الإسلامية القائمة على مبدأ "الإخلاص"، مواطنة متصلة ترتقي إلى مرتبة المؤاخاة.
أما المبدأ الثاني الذي يقوم عليه هذا التوسع هو "مبدأ الأمة"؛ إذ يحقق للمواطن الانفتاح، فيجد نفسه منفتحاً على الإنسانية، خارجاً عن نطاق الفروق والحدود، ومنفتحاً كذلك على الأخلاقية، واعياً بأصالتها واتساعها، ومنفتحاً أخيراً على أفق الإبداع، مجدداً ترتيب القيم. وكل ذلك يمد المواطنة بروحانية عالية، جاعلاً منها مؤاخاة حقيقية، قادرة على أن تتحمل وتتجاوز الأزمات التي يتعثر في تطبيقها التطبيق الغربي لروح الحداثة، لا سيّما في طوره العولمي، الذي أخذ يُلبِس كل العلائق بين بني البشر -أقارب كانوا أو أباعد- لباس الأغراض المادية.
فالوجود الجماعي للأمة وفق الرؤية الإسلامية هو تجمع غايته القيام بمزيد من الواجبات، لا تحصيل المزيد من الحقوق، وبهذا تغدو الأمة فضاء للتحقق بالماهية الأخلاقية، والقيام بشرط الآدمية ذاتها، بالتمرس على أسمى القيم الأخلاقية.
وبهذا يمكن للقيم السلوكية أن تثمر قيماً معرفية تنير العقل، وتنهض بالحقيقة الإنسانية على أكمل وجه، صارفة عنها كل ما يقيد انطلاق طاقات الخير فيها، مرتقية بالأخلاق عن إسار التقليد والجمود بذلك القبس الروحي الذي تشعه أخلاق الإحسان.
وهكذا فإنَّ المواطنة القائمة على مبدأيْ "الإخلاص" و"الأمة" ترتقي إلى رتبة المؤاخاة، مما يؤهلها لدفع التحديات التي يتعرض لها عالم اليوم، التي عجزت الحداثة الغربية عن دفعها؛ فدوام التوجه إلى المتجلي بالعدل يسهم في دفع التحديات الروحية، وتوفير الطمأنينة للنفوس، وسد فراغات القلوب. ودوام التجرد من أسباب الظلم يسهم في دفع التحديات المادية المتمثلة في آفات الفقر والتهميش والاستغلال، التي تفتك بثلاثة أرباع سكان العالم. والتحقق بالماهية الأخلاقية يساعد على رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ما دام كل تقدم مادي يتطلب تقدماً روحياً يفوقه قوة أو يساويه حتى يحصل الانتفاع به.
وكل تنمية اقتصادية ينبغي أن تصاحبها تزكية للنفس على قدرها. والقدرة على إبداع القيم يساعد على رفع التحديات العلمية التي تتسبب فيها التجارب الجينية، والنشاطات الإشعاعية، والتحولات البيئية؛ وما أحوج العالم اليوم إلى أن يحيي قيماً طواها النسيان، وأن يبدع قيماً جديدة تكون بمنـزلة المقاصد الإنسانية التي ينبغي أن يسترشد بها العلماء.