|
عضو متواجد
|
رقم العضوية : 52510
|
الإنتساب : Jul 2010
|
المشاركات : 95
|
بمعدل : 0.02 يوميا
|
|
|
|
المنتدى :
المنتدى العام
الحب في
بتاريخ : 14-08-2010 الساعة : 11:38 PM
الحب في الله و البغض في الله
اعلم ان الاخبار متظاهرة في مدح الحب في الله و البغض في الله و عظم فضيلته و ثوابه، و معناه لا يخلو عن ابهام، فلا بد ان نشير الى بعض هذه الاخبار، ثم نبين حقيقته و نكشف عن معناه.
اما الاخبار: كقول النبي (ص) : «ود المؤمن للمؤمن في الله اعظم شعب الايمان، الا و من احب في الله. و ابغض في الله. و اعطى في الله. و منع في الله فهو من اصفياء الله» . و قال (ص) لاصحابه: «اى عرى الايمان اوثق؟ »
فقالوا: الله و رسوله اعلم-فقال بعضهم: الصلاة، و قال بعضهم، الزكاة، و قال بعضهم: الصيام، و قال بعضهم: الحج و العمرة، و قال بعضهم: الجهاد- فقال رسول الله (ص) : «لكل ما قلتم فضل و ليس به، و لكن اوثق عرى الايمان الحب في الله و البغض في الله، و توالى اولياء الله و التبرى من اعداء الله» .
و قال (ص) : «المتحابون في الله يوم القيامة على ارض زبرجدة خضراء في ظل عرشه عن يمينه-و كلنا يديه يمين-وجوههم اشد بياضا و اضوا من الشمس الطالعة، يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب و كل نبي مرسل، يقول الناس: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله» . و قال سيد الساجدين -عليه السلام-: «اذا جمع الله-عز و جل-الاولين و الآخرين، قام مناد فنادى ليسمع الناس، فيقول: اين المتحابون في الله؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فيقال لهم: اذهبوا الى الجنة بغير حساب. قال: فتلقاهم الملائكة، فيقولون: الى اين؟ فيقولون: الى الجنة بغير حساب، فيقولون: اى حزب انتم من الناس: فيقولون: نحن المتحابون في الله. قال: فيقولون: و اى شىء كانت اعمالكم؟ قالوا: كنا نحب في الله و نبغض في الله. قال: فيقولون: نعم اجر العاملين» . و قال الباقر (ع) : «اذا ردت ان تعلم ان فيك خيرا فانظر الى قلبك، فان كان يحب اهل طاعة الله و ببغض اهل معصيته ففيك خير و الله يحبك، و اذا كان يبغض اهل طاعة الله و يحب اهل معصيته فليس فيك خير و الله يبغضك. و المرء مع من احبه» . و قال (ع) : «لو ان رجلا احب رجلا لله، لاثابه الله على حبه اياه، و ان كان المحبوب في علم الله من اهل النار، و لو ان رجلا ابغض رجلا لله، لاثابه الله على بغضه اياه، و ان كان المبغض في علم الله من اهل الجنة» . و قال الصادق (ع) : «من احب لله، و ابغض لله، و اعطى لله، فهو ممن كمل ايمانه» . و قال (ع) : «ان المتحابين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد اضاء نور وجوههم و نور اجسادهم و نور منابرهم كل شىء، حتى يعرفوا به، فيقال: هؤلاء المتحابون في الله» . و قال (ع) : «و هل الايمان الا الحب في الله و البغض في الله؟ ثم تلا هذه الآية:
«حبب اليكم الايمان و زينه في قلوبكم و كره اليكم الكفر و الفسوق و العصيان اولئك هم الراشدون» (5) .
و قال (ع) : «ما التقى المؤمنان قط الا كان افضلهما اشدهما حبا لاخيه» . و قال (ع) : «من لم يحب على الدين و لم يبغض على الدين فلا دين له» . و الاخبار بهذه المضامين كثيرة (6) .
و اذا عرفت ذلك، فلنشر الى معنى الحب في الله و البغض في الله فنقول:
الحب الذى بين انسانين، اما يحصل بمجرد الصحبة الاتفاقية، كالصحبة بحسب الجوار، او بحسب الاجتماع في سوق، او مدرسة، او سفر، او باب سلطان، او امثال ذلك، و معلوم ان مثل هذا الحب ليس من الحب في الله بل هو الحب بحسب الاتفاق، او لا يحصل بمجرد ذلك، بل له سبب و باعث آخر، و هذا على اربعة اقسام:
الاول-ان يحب انسان انسانا لذاته، لا ليتوصل به الى محبوب و مقصود وراءه، بان يكون هو في ذاته محبوبا عنده، بمعنى انه يلتذ برؤيته و معصيته و مشاهدة اخلاقه، لاستحسانه له، فان كل جميل لذيذ في حق من ادرك جماله، و كل لذيذ محبوب، و اللذة تتبع الاستحسان، و الاستحسان يتبع المناسبة و الموافقة و الملائمة بين الطباع. ثم ذلك المستحسن، اما ان يكون جمال الصورة، و كمال العقل، و غزارة العلم، و حسن الاخلاق و الافعال، و كل ذلك يستحسن عند الطباع السليمة، و كل مستحسن مستلذ به و محبوب، و من هذا القسم ان يحبه لاجل مناسبة خفية معنوية بينهما، فانه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير حسن في خلق و خلق، و من دون ملاحة في صورة، و لا غيرها من الاعضاء، بل المناسبة باطنة توجب الالفة و الموافقة و المحبة، فان شبه الشيء ينجذب اليه بالطبع، و الاشياء الباطنة خفية، و لها اسباب دقيقة ليس في قوة البشر ان يطلع عليها، و الى هذا القسم من الحب و الموافقة اشار رسول الله (ص) بقوله: «الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف» . فالحب نتيجة التناسب الذي هو التعارف، و البغض نتيجة التناكر. و معلوم ان هذا القسم من الحب لا يدخل في الحب لله، بل هو حب بالطبع و شهوة النفس، لذا يتصور ممن لا يؤمن بالله، الا انه ان اتصل به غرض مذموم صار مذموما، و الا فهو مباح لا يوصف بمدح و ذم.
الثاني-ان يحبه لا لذاته، بل لينال منه محبوبا وراء ذاته، و كانت لهذا المحبوب فائدة دنيوية. و لا ريب في ان كلما هو وسيلة الى المحبوب محبوب، و عدم كون هذا الحب من جملة الحب في الله ظاهر.
الثالث-ان يحبه لا لذاته، بل لغيره، و ذلك الغير راجع الى حظوظه في الآخرة دون الدنيا، و ذلك كحب التلميذ للاستاذ، لان يتوسل به الى تحصيل العلم و تحسين العمل، و مقصوده من العلم و العمل سعادة الآخرة.
و هذا الحب من جملة الحب في الله، و صاحبه من محبي الله، و كذلك حب الاستاذ للتلميذ، لانه يتلقف منه العلم، و ينال بواسطته مرتبة التعليم، و يترقى به الى درجة التعظيم في ملكوت السماء. قال عيسى (ع) : «من علم و عمل و علم، فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء» . و لا يتم التعليم الا بمتعلم، فهو اذن آلة في تحصيل هذا الكمال، فان احبه لانه آلة اذ جعل صدره مزرعة لحرثه، فهو محب لله.
بل التحقيق: ان كل من يحب احدا لصنعته، او فعله الذي يوجب تقربه الى الله، فهو من جملة المحبين في الله، كحب من يتولى له ايصال الصدقة الى المستحقين، و حب طباخ يحسن صنعته في الطبخ لاجل طبخه لمن يضيفه تقربا الى الله، و حب من ينفق عليه و يواسيه بكسوته و طعامه و مسكنه و جميع مقاصده التي يقصده في الدنيا، و مقصوده من ذلك الفراغ لتحصيل العلم و العبادة، و حب من يخدمه بنفسه من غسل ثيابه و كنس بيته و طبخ طعامه و امثال ذلك من حيث انه يفرغه لتحصيل العلم و العمل. . . و قس على ما ذكر امثاله، و المعيار ان كل من احب غيره من حيث توسله لاجله الى فائدة اخروية فهو محب الله و في الله.
الرابع-ان يحبه لله و في الله، لا لينال منه علما او عملا، او يتوسل به الى امر وراء ذاته، و ذلك بان يحبه من حيث انه متعلق بالله و منسوب اليه، اما بالنسبة العامة التي ينتسب بها كل مخلوق الى الله، او لاجل خصوصية النسبة ايضا، من تقربه الى الله، و شدة حبه و خدمته له-تعالى-.
و لا ريب في ان من آثار غلبة الحب ان يتعدى من المحبوب الى كل من يتعلق به و يناسبه، و لو من بعد، فمن احب انسانا حبا شديدا، احب محب ذلك الانسان و احب محبوبه و من يخدمه و من يمدحه و يثنى عليه او يثنى محبوبه، و احب ان يتسارع الى رضاء محبوبه، كما قيل:
امر على الديار ديار ليلى اقبل ذا الجدار و ذا الجدارا و ما حب الديار شغفن قلبى و لكن حب من سكن الديارا
و اما البغض في الله، فهو ان يبغض انسان انسانا لاجل عصيانه لله و مخالفته له-تعالى-، فان من يحب في الله لا بد ان يبغض في الله، فانك ان احببت انسانا لانه مطيع لله و محبوب عنده، فان عصاه لا بد ان تبغضه، لانه عاص فيه و ممقوت عند الله، قال عيسى (ع) : «تحببوا الى الله ببغض اهل المعاصي، و تقربوا الى الله بالتباعد عنهم، و التمسوا رضاء الله بسخطهم» .
و روى: «انه-تعالى-اوحى الى بعض انبيائه، اما زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة، و اما انقطاعك الى فقد تعززت بي، و لكن هل عاديت في عدوا، او واليت وليا؟ » .
ثم للمعصية درجات مختلفة، فانها قد تكون بالاعتقاد، كالكفر و الشرك و البدعة، و قد تكون بالقول و الفعل، و هذا اما ان يكون مما يتاذى به غيره، كالقتل و الغضب و الضرب و شهادة الزور و سائر انواع الظلم، او لا يكون مما يتاذى به غيره، و هذا اما يوجب فساد الغير، كالجمع بين الرجال و النساء، و تهيئة اسباب الشر و الفساد على ما هو داب صاحب الماخور، او لا يوجب فساد الغير، كالزنا و شرب الخمر، و هذا ايضا اما كبيرة او صغيرة. و اظهار البغض ايضا له درجات مختلفة، كالتباعد و الهجران، و قطع اللسان عن المكالمة و المحادثة، و التغليظ في القول، و الاستخفاف و الاهانة، و عدم السعي في اطاعته، و السعي في اساءته و افساد مآربه، و بعض هذا اشد من بعض، كما ان درجات الفسق و المعصية ايضا كذلك، فينبغي ان يكون الاشد من درجات البغض بازاء الاشد من درجات المعصية و الفسق، و الوسط بازاء الوسط، و الاضعف بازاء الاضعف، و ينبغى الا يترك اولا النصيحة، و الامر بالمعروف، و النهى عن المنكر، و تغليظ القول في الوعظ و الارشاد، لا سيما اذا كان العاصي ممن بينه و بينه صحبة متاكدة. ثم العاصي طن كان ممن له صفات محمودة، كالايمان و العلم و السخاء و العبادة و الطاعة او امثال ذلك، ينبغي ان يكون مبغوضا لاجل معصيته و محبوبا لاجل صفته المحمودة، و هذا كما ان من وافقك في غرض و خالفك في آخر تكون معه على حالة متوسطة بين التردد اليه و التوحش عنه، فلا تبالغ في اكرامه مبالغتك في اكرام من يوافقك في جميع اغراضك، و لا تبالغ في اهانته مبالغتك في اهانة من خالفك في جميع اغراضك.
تتميم
(الوفاء في الحب)
اعلم ان من تمام الحب للاخوان في الله (الوفاء) ، و هو الثبات على الحب و لوازمه و ادامته الى الموت و بعده مع اولاده و اصدقائه، و ضده (الجفاء) ، و هو قطع الحب او بعض لوازمه في ايام الحياة او بعد الموت بالنسبة الى اولاده و احبته، و لو لا الوفاء في الحب لما كانت فيه فائدة، اذ الحب انما يراد للآخرة، فان انقطع قبل الموت لضاع السعي و حبط العمل، و لذلك قال رسول الله في السبعة الذين يظلمهم الله يوم القيامة: «و اخوان تحابا في الله اجتمعا على ذلك و تفرقا عليه» . و روي: «انه (ص) كان يكرم بعض العجائز كلما دخلت عليه، فقيل له في ذلك، فقال: انها كانت تاتينا ايام خديجة، و ان كرم العهد من الدين» . فمن الوفاء مراعاة جميع الاصدقاء و الاقارب و المتعلقين، و مراعاتهم اوقع في القلب من مراعاة الاخ المحبوب في نفسه، فان فرحه بتفقد من يتعلق به اكثر من فرحه بتفقد نفسه، اذ لا تعرف قوة المحبة و الشفقة الا بتعديها من المحبوب الى كل من يتعلق به، حتى ان من قوي حبه لاخيه تميز في قلبه كلبه الذي على باب داره من سائر الكلاب. و لا ريب في ان المحبة التي تنقطع-و لو بعد الممات-لا تكون محبة في الله، اذ المحبة في الله دائمة لا انقطاع لها. فما قيل من ان (قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره حال الحياة) انما هو لدلالته على كون الحب في الله.
و بالجملة: الوفاء بالمحبة تمامها. و من آثار الوفاء ان يكون شديد الجزع من مفارقته، و الا يسمع بلاغات الناس عليه، و ان يحب صديقه و يبغض عدوه، و ليس من الوفاء موافقة الاخ فيما يخالف الحق في امر يتعلق بالدين، بل من الوفاء المخالفة له و ارشاده الى الحق.
هذا و اما البعد و الانس، فقد عرفت ان الانس عبارة عن استبشار القلب بما يلاحظه من المحبوب بعد الوصول، و البعد خلافه، و الانس و الخوف و الشوق كلها من آثار المحبة، و كل واحد منها يرد على المحب بحسب نظره، و مما يغلب عليه فى وقته، فاذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب الى منتهى الجمال، و استشعر قصوره من الاطلاع على كنه الجلال، انبعثت النفس و انزعجت له و هاجت اليه، فسميت هذه الحالة في الانزعاج (شوقا) ، و هو بالاضافة الى امر غايب، و اذا غلب عليه الفرح بالقرب و مشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف، و كان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف، غير ملتفت الى ما لم يدركه بعد، استبشر القلب بما يلاحظه فيه. فيسمى استبشاره (انسا) ، و ان كان نظره الى صفات العز و الجلال و الاستغناء و عدم المبالاة، و استشعر امكان الزوال و البعد، تالم قلبه بهذا الاستشعار، فيسمى تالمه (خوفا) ، و هذه الاحوال تابعة لهذه الملاحظات، فان غلب الانس و تجرد عن ملاحظة ما غاب عنه و ما يتطرق اليه من خطر الزوال، عظم نعيمه و لذته، و غلب عليه الانس بالله، و لم تكن شهوته الا في الانفراد و الخلوة، و ذلك لان الانس بالله يلازمه التوحش من غير الله، بل كلما يعوق من الخلوة يكون اثقل الاشياء على القلب، كما روى: «ان موسى (ع) لما كلمه ربه، مكث دهرا لا يسمع كلامه احد من الخلق الا اخذه الغشيان» ، و لان الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب و عذوبة ذكره، فيخرج عن القلب عذوبة ما سواه، فان خالط الناس كان كمنفرد في جماعة، و مجتمع في خلوة، و غريب في حضر، و حاضر فى سفر، و شاهد في غيبة، و غائب فى حضور، و مخالط بالبدن، متفرد بالقلب المستغرق في عذوبة الذكر، قال امير المؤمنين (ع) في وصفهم: «هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الامر، فباشروا روح اليقين، و استلانوا ما استوعره المترفون، و انسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بابدان ارواحها متعلقة بالمحل الاعلى، اولئك خلفاء الله في ارضه، و الدعاة الى دينه» .
------------------------------------------------------
5) الحجرات، الآية: 7.
6) صححنا الاحاديث كلها على (اصول الكافي) : ج 2، باب الحب في الله و البغض في الله. و على (الوافي) : 3 344، باب الحب في الله و البغض في الله.
منقول نصا من كتاب جامع السعادات للمولى محمد مهدي النراقي احد اعلام المجتهدين
|
|
|
|
|