|
شيعي محمدي
|
رقم العضوية : 24762
|
الإنتساب : Nov 2008
|
المشاركات : 3,231
|
بمعدل : 0.54 يوميا
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
خير الحرائر
المنتدى :
منتدى العقائد والتواجد الشيعي
بتاريخ : 26-07-2009 الساعة : 02:21 PM
(6)
قراءة في الكتاب المقدّس..
قد يكون من التناقض قول ذلك ، لكنني عندما كنتُ في الحادية عشر ناقشتُ
زميل دراسة مسيحي في بعض عقائده ، الأمر الذي كنا نردّده مع الشيخ في منهج
محفوظاته ، فـ فنّدتُ له عقيدة التثليث وعقيدة الصلب وبعض ما كان يكرّره شيخي ..
إلا أنني بعدها ببضع سنواتٍ ، ولمّا وقع ذلك الكتاب الساحر في يدي ،
نسيتُ كلّ ما حفظتُ ، أو ربما تناسيت ، فـ ليس كلام شيخي صحيحاً
بالضرورة - خاصةً أن له سوابق في عدم إقناعي ببعض العقائد - ..
نسيتُ قول مشايخي في كفر هؤلاء النصارى ، وطرقهم الملتوية للتبشير ،
وهدفهم في إلغاء الهويّة الإسلامية ، وسحرهم ، وسحر كتابهم ،
وأردتُ حقاً التعرّف على هذا الدين .
سألتُ أستاذي عن مزيدٍ من الكتب حول المسيحية ..
فسألني عن السبب .؟ أجبته بأنني أحببتُ هذا الدين الحكيم والعظيم
الذي صَنَعَ لنا مثلهُ ، وبأنني أريد التعرّف عليه أكثر .
خشي الأستاذ من توابع ذلك الانبهار ، خاصةً وأنه - بانضمامه لسلك
التدريس في بلدي - قد تعهّد بعدم الخوض في مسائل دينية أو مذهبية ،
ذلك خوفاً من إدارة التعليم العليا علينا - نحن الطلاب - من
اهتزاز عقائدنا ، و الانجرار وراء مخالفين ..
كانت تلك فرصةً كبيرةً لأستاذي بأن يزيّن لي دينه ويجذبني إليه ،
حسب فرضيّة مشايخي القائلة بأن كل نصراني هو حاقدٌ على الإسلام
يستغلّ أي فرصة للتبشير ، ومع أخذ موجة إعجابي وحداثة سنّي بعين الاعتبار ..
كنتُ فريسةً سهلة .! إلا أنه لم يفعل .. بل ذكّرني بأن هذا الأمر كبيرٌ على
من هم في سنّي ، وأنني أستطيع البحث في الأمر متى ما كبرتُ وصرتُ
أكثر إدراكاً ووعياً . ثم إنه صدمني بقوله : دينك عظيم أيضاً فلماذا تفكّر في تغييره ؟!
أخبرني بأن جماعةً من الطلّاب كانوا يحدّثونه عن الإسلام وتعاليمه ،
وبأنه أُعجب بالكثير منها ، وأنه كذلك يحب القراءة حول الإسلام ،
وحول النبي ، ويودّ اقتناء القرآن الكريم وضمّه إلى مكتبة الكتب
الكبيرة لديه ، لما رأى في بعض مقاطعه من إعجاز هائل ....
ومع الأسف ، لم أكن أنا المسلم أرى في ديني كلّ دواعي الإعجاب تلك ..
وانتهى حديثنا عند ذلك ، ولم يغب أمر ذلك الدين عن ذهني .
بعد فترة ، شهدنا نزاعاً كبيراً في المدرسة ، وكان سببه الحادثة التالية:
أعطت تلك الجماعة يوماً أستاذي المسيحي نسخةً من القرآن الكريم
بناءاً على طلبه ، رأيتهُ حاملاً إياه يُقلّبه ويتصفحه بسرور بالغ .
وما كادت تنقضي فرحته بالحصول على ذلك الكتاب القيّم ،
وحين وصوله إلى جوار مكتبه ، كان أستاذ الدين واقفاً مُضمراً شراً ..
همّ الإسلاميّ بـ جذب المصحف من بين يدي أستاذي ، صارخاً في وجهه:
من أين لك هذا؟!! هل سرقته من ممتلكات المدرسة؟!!
أجابه: لا ، طلبتُهُ من بعض الطلاب فـ جلبوه لي لأقرأ فيه ..
فعاد الآخر ليصرخ: ومن سمح لك أن تقرأ فيه أيها السارق الكاذب!!
أنت (نجس)!! أنت كافر (نجس)!! لا يصح أن تمسّ المصحف!!
ولأوّل مرّة أرى أستاذي الهادئ غاضباً ... احمرّ وجهه وصاح:
خذ مصحفك هذا !! ارتكبتُ خطأً فادحاً لما أحببتُ ديناً فيه أمثالك !!
ثم توجّه للإدارة لتقديم استقالته ..
وتضاعف بغضي لهؤلاء "الإسلاميين" آلاف المرّات بعد حضوري لهذا المشهد المقزز !
فقد خسرت مدرستي بسببهم هذا الأستاذ الكبير ، وكذلك خسره ديني ودينهم !!
**
بعد فترة قصيرةٍ من ذلك استطعتُ الحصول على الكتاب المقدّس ،
قرأتُ فيه بعض الشيء ، وأعجبني ما في بعض أسفاره من حكم ووصايا ،
ولا أزال أحبّ قراءتها ، ولا أزال أحبّ التعامل مع الإخوة المسيحيين لـ رفعة أخلاقهم ،
إلا أن إعجابي بذلك الدين ككلّ خبا ، لما قرأتُ ما ورد في كتابه المقدّس
من عقائد واضحة اللامنطقية ، وإساءات للأنبياء العظام ..
وكان ذلك مما لا يمكن الرضا به ..
(7)
الجنوب تحرر يا عصام !
لعلَّه من المناسب هنا ذكرُ مدى اختلاف الثقافات ، و الهوّة العميقة ،
بين أهل والدي وأهل والدتي .. فأعمامي هم - كما ذكرتُ - من أبناء نجد
ومن أشد متعصّبي الحنابلة . أما أخوالي ، فكانوا أحنافاً كما أعتقد ..
و كما هو غالب المجتمع اللبناني الذي عرفتهُ ، هم محافظون ،
لكنهم - وبعكس أعمامي - في غاية التسامح وخاصةً في التعامل مع الآخرين .
لم أكن أدرك سبب الاختلاف في صغري ، لكنني كنتُ بالتأكيد ألحظ الفوارق
بين المجتمعين .. ففي حين يكره أهلي هنا كلّ ما له علاقة بالمخالفين ،
ويجتنبونهم ، بل ويحرّمون التعامل معهم أحياناً ، وجدتُ أهلي هناك مع
علاقة متينة تربطهم بـ أصحاب وجيران شيعة و سنّة و دروز و مسيحيين ،
يجمعهم رباط الإنسانية والمواطنة الذي لا يعرف الفروق .. بدا لي الأمر جميلاً ،
وكنتُ أميل إلى ذلك النوع من العلاقات المحبّة والمُعامِلة للجميع بالحسنى ..
فما مبرر الإساءة أو الصدود لإنسان لمجرّد اختلافه معك في عقيدة ؟!
****
وإن كان هذا الجزء من القصة يبدو عرضياً في السياق ، ومتأخراً على
الأحداث ، إلا أنني أجلّته حفظاً لترابط ما سبق .
وأعود بضعَ مراحل إلى الوراء ، إلى أيامِ أحد أخوالي .. عصام
لطالما تمثّل لي عظيماً ذلك الشاب العشريني الثائر ..
وطالما علّمني عشقه العجيب لكل حرف من اسم لبنان ،
وكل حبة رمل من تراب لبنان .. حديثه الدائم عن أراضي وطنه
التي يجب أن تُحرّر كان يسحرني .. ومن بين جميع مبادئ شيوخي
وما ينادون به في مسجدي ، كان ( الجهاد ) هو الأمر الوحيد الذي
دام تعلّقي به ، لأنه مطابقٌ لرؤى خالي عصام ، ولأنه كان يأسرني
حين مشاركتي آماله العريضة في طرد المحتلّ وتطهير الأرض من آثاره ..
بعد عامٍ من وفاة والدتي - رحمها الله - ، وصلنا نبأ استشهاد عصام ،
وصديقه الشيعيّ ، على حدود الجنوب المحتلّ ..
وبعد بضعة أعوامٍ من ذلك ، سمعتُ جدَّتي تقول:
الجنوب تحرَّر يا عصام!! (الأبطال) حرروا الجنوب!!
فوقعتُ في حبّ أولئك (الأبطال) قبل أن أعرفهم ،
و خِلتـُهم مجموعةً من المجاهدين الثائرين كما عصام ..
وما ان رأيتُ صور قائدهم معلّقةً في أنحاء لبنان الصامد ،
وشهدتُ إطلالته الساحرة أينما وقع بصري ..
أغرمتُ بـ ذلك النور .. !!
وقلتُ في نفسي .. لابد أن هذا الرجل .. هو عظيم هذا الزمان !
( وكنتُ وما زلتُ أعتقد بأن لكلّ زمانٍ عظيماً .. )
كنتُ وقتها في الحادية عشر من عمري ، ولم أكن أعرف بأن هؤلاء
المجاهدين هم من الشيعة .. بل لم أكن أعرف بأنهم من تلك
الجماعات "الإسلامية" (التي أمقتها) .. لم أعرف عنهم الكثير
من المعلومات ، لكن تحريرهم للجنوب كان كافياً بالنسبة لي ،
لأعتبرهم هم الرجال ، في زمنٍ لا رجال فيه ...
(8)
في رحاب دعاء كميل ..
قد أسهبتُ في الذكرِ سابقاً عن مدى نفوري من الجماعات الإسلامية ،
إلى المدى الذي جعلني أفكر في اعتناق غير الإسلام ديناً ، وكان ذلك في
السنة الثالثة عشرة من عمري .. وفي تلك الفترات ، لم أترك عباداتي
المفروضة - ولله الحمد - ، لكنني كنتُ أقوم بها بلا استشعارٍ لشيءٍ من
أهميّتها ، و ربما مؤقتاً ، إلى أن أجد لي ديناً أو اتجاهاً جديداً .. كما أنني
تركتُ حفظ القرآن الكريم ، وتوقّفتُ عن التفكير في العقائد الإسلامية ،
حتى أوشكتُ على نسيانها .. وكان بديل قراءاتي الدينية في تلك الفترة
هو القراءة الأدبية ، والتي كانت ملجأً لي من ذلك الهمِّ الدينيِّ الثقيل ..
أعترف بأن حيرتي كانت عميقة ، فأنا لم أكن أدري ماذا أريد بالتحديد .؟!
كنتُ أريد فقط ، أن أجد لي مخرجاً من تلك الحياة ، إلى حياةٍ أفضل ..
اعتقدتُ أنني خُلقتُ لأكون متديّناً .. وقد اشتقتُ إلى سنوات طفولتي ،
حيث كان لي دين أحبّه ، وأتمسّك به ، وأدافع عنه ، وأعتقد بصحّته ..
لكنني كنتُ أفكر: ذلك الدين المنشود هو ليس ما أنا عليه بالتأكيد ..
و لا أدري ما هو .! فقد فشل الإسلام في تحقيق ما أريد ،
وكذلك المسيحية ، وبالطبع لا أريد أن أكون يهودياً .!
قد تكون طبيعتي ، أو طبيعة الشباب في ذلك السنّ عموماً ، هي البحث
عن أيّ ولاءٍ أو انتماءٍ إلى اتجاهٍ معيّن ، وقد تكون تلك الفترة هي فترة
تحديد الميول ، الدينية ، والسياسية ، وغيرها ، وبذلك هي فترة لاختبار
الكثير من التجارب .. الأمر الجيّد أن فطرتي السليمة كانت متيقّظةً
فسلّمتني من الانجراف مع أيّ تيارٍ كان ، فلم يصبني شيء من
الانحراف عن الطريق السويّ رغم توجّهي (اللاتوجّهي) ذاك .!
***
هدى لي الله - سبحانه وتعالى - تلك الجماعة "الإسلامية" في المنطقة ،
(والتي أخبرني عنها أستاذي المسيحيّ من قبل) ، وهي جماعة تضمُّ بعض
طلَّاب مدرستي ، وبعض من تخرَّجوا منها ، نفراً من الشباب الشيعة ،
وآخرين من أهل السنّة ، كان من ضمنهم أخي الشريف القرشي ، يقودها
سيِّدٌ موسويٌّ مثقَّف ، وتهدف إلى الرقيّ بمستوى الشباب علمياً ودينياً
وأخلاقياً واجتماعياً ، كي يكونوا أعضاء فاعلين في مجتمعٍ يحتاج إليهم ..
وقد كان لتلك الجماعة دور جيِّد في بثّ الوعي في أوساط الشباب حينئذٍ ..
كانت معرفتي بهم سطحيةً نوعاً ما ، حتى اليوم الذي رآني فيه ذلك السيِّد
جالساً لوحدي ، فـ قال لي : نحن نجتمع في مجلس أحدنا كلَّ ليلة جمعة
لمناقشة بعض الأفكار ، فهل تريد مشاركتنا هذا الأسبوع لترى هل نعجبك
أم لا .؟ لم يكن لديّ ارتباطات أو مشاغل ، فقبلتُ دعوته ، وجهَّزتُ نفسي
لحضور تلك الجلسة ، فأنا أعيش فراغاً على أية حال ..
ذهبتُ للمجلس في تلك الليلة ، خمسة شبابٍ كانوا حاضرين ، اثنان منهم من
أهل السنَّة ، وكنتُ أنا الضيف الجديد الذي يتلقى جميع الأسئلة .. في الحقيقة
، كنتُ مرتبكاً ومحرجاً ، لأن أسئلتهم لي كانت بلا أجوبة عندي ، فأنا لم أفكر
من قبل في أهدافي المستقبلية لخدمة مجتمعي عن طريق ديني .؟
ولا أدري لماذا حفظتُ القرآن وكيف سأستفيد منه في حياتي .؟
و كذلك لا أعرف لي وجهةً وانتماءاً دينياً .؟ ولما قال لي أحدهم : تقول أنك
في الرابعة عشر من عمرك الآن فماذا تنتظر كي تحدّد لك آراءاً وأهدافاً .؟!
شعرتُ بالقصور في فكري وخاصةً حين يأتي الأمر إلى ربط ديني بحياتي ..
فصارحتُ أصدقائي الجدد بأمري ، وأخبرتهم بأن مسائل الدين صارت آخر
ما أحب الخوض فيه ، وأنني غير مرتاحٍ لوضعي مذ تركتُ دروس شيخي
المملّة ، وأصدقائي المتديّنين الذين لا همَّ لهم سوى شتم الشيعة والصوفية ،
وهجرتُ القرآن الكريم الذي حفظتُ منه الكثير بلا فائدة ...
" بلا فائدة .؟! "
نظراتُ عتاب السيِّد لي أخجلتني ، لكنه لم يردّ على قولي بكلمةٍ ،
سوى قوله لي : لدينا طقسٌ ديني نؤديه في هذه الليلة ، وأرجو أن تحبه ..
***
على نور ضوءٍ خافت ، فتح السيِّد كتاباً ، واتخذَّ كل حاضرٍ زاويةً للجلوس .
حاولتُ جاهداً التنبؤ بما سيحدث ، لكنه كان شيئاً غريباً وجديداً عليَّ تماماً ..!
سمعتُه يسمِّي باسمه تعالى ، و يصلِّي على محمدٍ وآل محمدٍ عدة مرَّات ،
ثم يبدأ بقوله: " اللهم إني أسألكَ برحمتكَ التي وسعت كلَّ شيء ، وبقوتكَ
التي قهرتَ بها كلَّ شيء ، وخضع لها كلُّ شيء ، وذلَّ لها كلُّ شيء ... "
و هنا أوجستُ خيفةً .! وفكَّرتُ إن كانت هذه إحدى طقوس الصوفيَّة المحرَّمة .!
وحقاً لا أدري لمَ فكَّرتُ كذلكَ - عفا الله عنِّي - ، رغم أنني لم أكن معادياً
للصوفية كما رفاقي ..! ولم أكن كذلكَ مُقيماً وزناً مُعتبراً لآراء مشايخي في
التحريم .! لكن ذلك التفكير كان سريعاً بـ لحظاتٍ في غاية الغرابة ...!
" يا أول الأولين ، ويا آخر الآخرين " .. هنا عدتُ لأسمعه ..
شُغلتُ بالتفكير في مدى جمال هذا الصوتِ وعذوبته ، ثمَّ مدى صدقه
و خشوعه .. وعند " الذنوب التي تحبسُ الدعاء " ، لم يسعني إلا أن أتفكَّر
في هذه الكلمات المذهلة التي يقرؤها السيِّد ..حتى قال باكياً : " هبني ...
صبرتُ على عذابكَ ، فكيف أصبرُ على فراقكَ .!! ...
أقسم صادقاً لئن تركتني ناطقاً ، لأضجَّن إليكَ بين أهلها ضجيج الآملين ،
ولأصرخنَّ إليكَ صراخ المستصرخين ، ولأبكينَّ عليكَ بكاء الفاقدين ،
ولأنادينكَ أين كنتَ يا ولي المؤمنين ..؟! " وهنا - دون مبالغةٍ - اقشعرَّ بدني ..!!
وقلتُ في نفسي : يـا الله !! ما هذا .؟! وكيف لم أسمع به من قبل .؟!!
الجو كان في قمة الخشوع ، وكانت هناك دموعٌ كثيرة ، وكان بودِّي أن أبكي ،
فالبكاء يحقّ في هذا الموضع .!! لكن رأسي كان مزدحماً بالكثير من الأفكار
والأسئلة ، وكان أكبرها : من أين للسيِّد هذا .؟! هل هو من طقوس الشيعة
التي يحرِّمها مذهبي تحت بند البدع .؟! لكنه مجرَّد دعاءٍ خاشعٍ لله تعالى
وحده .!! وأشغلتني كل تلك الأفكار عن المتابعة ، لكنَّ بعضاً من العبارات
استوقفتني وكانت تخرجني قسراً من شرودي .!
فرغ السيِّد من الدعاء ، فالتفتُّ إلى الشاب السنِّي الذي بجانبي وسألته :
ما هذا .؟! فقال لي : هذا أحد أدعية الشيعة المستحبَّة في ليالي الجمعة ،
ونحن نستمع إليه كلَّ أسبوع في جلستنا .. فسألته : وهل مذهبنا يحرِّم
علينا هذا .؟ فـ ضحك من سؤالي ، وقال لي :
دعني أخبركَ بنصيحةٍ جيدةٍ بيني وبينكَ .. أعمل بها أنا كذلك ..
أنت لديكَ خلفية دينيَّة جيدة ، فلا تعتمد على المشايخ في كل شيء ..
بل يجب عليكَ أن تعرض الأمور على عقلكَ ، لترى هل هي مناسبة أم لا .؟
تسألني عن (دعاء) هل هو محرَّم أم لا .؟ يا أخي قال ربي "ادعوني أستجب لكم" .. !
أما العلماء فـ ربما .. يحرِّمونه ويقولون أنه من البدع والخرافات ..
ضحك مجدداً ، ثم غمز لي وقال: على هذا فـ امتلاككَ لسيَّارة أيضاً بدعة ،
فـ رسول الله - عليه الصلاة والسلام - لم يستخدمها ..
أستطيع القول بأنني اطمأننتُ شيئاً ما لقوله ، فـ هو سنِّي كما أنا ، وقوله منطقيِّ ..
إذن: ( هناك مسلمون من أهل السنَّة ، ملتزمون وعلى الطريق الصحيح ،
لكنهم مختلفون عمَّن أعرفهم ! )
التفتُّ من جديد لصاحبي ، فوجدتُه غير مُلتحٍ ..
وابتسمتُ ابتسامةً عريضةً لاكتشافي الجديد ..
قطع السيِّد الحديث ، وقال : كما عادتنا ، لديَّ بعض الفوائد أحبُّ قولها بعد هذا الدعاء ..
ثم قرأ قوله: " وكل سيئةٍ أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين ، الذين وكَّلتهم بحفظ ما
يكون منِّي ، وجعلتهم شهوداً عليَّ مع جوارحي ، وكنتَ أنتَ الرقيب علي من
ورائهم ، والشاهد لما خفي عنهم " و بدأ يذكر بعض التفاسير وأقوال العلماء ..
كان الجميع يصغي باهتمام ، فيما انشغلتُ أنا بتفحّص وجوه
أصدقائي الجدد ، والتفكير في تجربتي الجديدة ، واستنتاجاتي الجديدة !
وبين الفينة والأخرى ، كانت بعض الضحكات تقطع حبل أفكاري ،
لأجد أن السيِّد كان يُخبر بـ آراء العلماء من الفريقين حول المسألة ،
ثم يرجِّح أحدها على الآخر ، ويشرح الأسباب ... ويُلقي الطُرَف .!
( ولو كان فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حوله ! )
(10)
مفاتيح الجنان..
بعد فراغ السيِّد من حديثه ، حول دور الكرام الكاتبين كما أظنّ ،
( لم أكن منتبهاً لحديثه جيداً )
قام بسؤال أحد الشباب : ما الجديد في مشروعنا .؟
وكان لديهم - كما فهمتُ من الحديث - مشروعاً لتدوير الورق
وإعادة استخدامه ، أو أمراً من هذا القبيل .
تم تداول الأفكار ، وكُتبت التوصيات ، و وزِّعت الأدوار على الشباب ..
ثم قاموا خارجين من المجلس ..
قرَّبني السيِّد إليه بعد خروج الجميع ، و سألني بابتسامته المعهودة :
ما رأيك في الدين والمتديِّنين الآن .؟
قلتُ له : والله لقد أبهرتموني ..!
كل ما رأيتُ وسمعتُ في هذه الجلسة أثار عجبي ..
بدءاً بـ طريقة تعاملكَ معي حين أعلنتُ سخطي على الدين وأهله ،
ولو كان المخاطَب شيخي لأقام عليَّ حداً .! وجود متديّنين يفكرون
بطريقةٍ عمليةٍ لإصلاح أنفسهم وإصلاح المجتمع ، وكان ما عرفتهُ
عن المتدينين هو كونهم أناساً غلاظاً شداداً ، لا يزيد دورهم في
الحياة على صلاة الجماعة و حلقات الذكر ..
وتكفير من لم يلتزم بهما ! ثم المعاملة الأخويَّة الراقية جداً بين متدينين
شيعة وآخرين من أهل السنَّة ، و هذا ما لم أره قط في مجتمعي ،
على الإطلاق .. حقاً لقد سعدتُ برؤية ذلك هنا ..
و فوق كل شيء ، ذلك الدعـاء الرائـع الذي قرأتـَه ...!
سألتُه بعد ذلك عن مصدر هذا الدعاء ، و فضله ،
( وسبب اختصاص الشيعة به دون غيرهم ؟؟ )
فأجابني عن ذلك ، وأخبرني بأن الدعاء منقولٌ عن كميل - رضي الله عنه - ،
عن أمير المؤمنين -ع - ، و قد التزم به شيعة علي منذ ذلك الحين ،
وكان خصوصيةً لهم دون غيرهم تبعاً لخصوصية محبة عليٍّ وتفضيله
وأهل بيته على غيرهم واختصاصهم باتّباع سنَّتهم ..
( و إذا يريد أحد يقرأ الدعاء ما نمنعه ، بس ماحد يريد ، يقولون بدعة ) ..
طلبتُ منه نسخةً من هذا الدعاء لأقرأه ،
فأحضر لي نسخة من كتاب ( مفاتيح الجنان ) ..
و لما رأيتُ عنوان الكتاب ضحكتُ لـ طرفةٍ اكتشفتُها لـ توِّي ..
فـ شيخي كان يقول لنا ، حين إخبارنا بمدى غباء الشيعة وجهلهم ،
واتِّباعهم الأعمى لعلمائهم ، بأن علماء الشيعة يعطونهم "مفاتيح" ،
يزعمون أنها لأبواب "الجنان" ، يدخلون من أيِّها شاؤوا ،
ويصدِّق الشيعة ذلك ..!
و اعتقدتُ أن ( مفاتيح الجنان ) المقصودة هي هذا الكتاب ،
فضحكتُ لمدى جهل شيخي ..
شكرتهُ واستأذنتُه في استعارة الكتاب ، ثم عدتُ إلى منزلي ،
وعكفتُ في تلك الليلة على تصفِّح ( مفاتيح الجنان ) ...
لفتَ نظري وجود بعض السور القرآنية في مقدمة الكتاب ،
وهي ذات السور الموجودة في " قرآننا " ..
وكان شيخي يقول بأن للشيعة قرآناً مختلفاً ..
لأنني كنتُ مولعاً بالنصوص الأدبية وقتها ،
استرعى الكثير من الأدعية انتباهي ، كـ دعاء كميل ،
ودعاء الصباح ، لتلك القوة البلاغية ، وجمال ذلك السبك اللفظيّ ،
وبدت لي كـ قطعٍ أدبيةٍ فنيَّةٍ متقنة الصنع ..
ثم إن دعاءاً كـ دعاء أبي حمزة الثمالي ، و دعاء الجوشن ،
و مناجاةً كـ مناجاة الخائفين ، أو مناجاة المفتقرين ،
كانت غايةً في الذلّ والخضوع المفترض لله تعالى ،
وفيها منتهى الافتقار و التأدّب ..
روعةٌ عجيبةٌ فقط ، هذا ما أستطيع الوصف به .
استوقفني في دعاء الافتتاح المقطع الذي جاء فيه:
( ... فإن أبطأ عنِّي عتبتُ بجهلي عليكَ ،
ولعلَّ الذي أبطأ عنِّي هو خيرٌ لي لعلمكَ بعاقبةِ الأمور )
وفكرتُ فيه وفي عظمته طويلاً ..
و قد خطر ببالي هنا ، كيف أنني توجَّهتُ لقراءة كتاب المسيحيَّة
المقدَّس ، سعياً وراء ما يغذِّي روحي ..
و في ديني الإسلامي العظيم ما يغني مئات المرات عن ذلك ،
في القرآن الكريم ، وفي مثل هذه الأدعية .
كان لي بعض المآخذ حول اللعن والتوسّل في بعض الأدعية ،
إلا أنني - والحق يُقال - لم أشعر بحلاوةٍ للإيمان منذ سنواتٍ طويلةٍ ،
إلا عند قراءتي لأدعية ذلك الكتاب ،
وحتى قراءة السور الموجودة فيه كان لها حلاوةٌ جديدة ..
أحسستُ بـ روحي صافيةً مجدداً ، مُحبةً لله ، و لديني العظيم ،
و عدتُ إلى الله - تعالى - بـ مناجاة التائبين في تلك الليلة ..
|
|
|
|
|