عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,124
بمعدل : 0.53 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : المنتدى العام
افتراضي زيارة الأربعين.. بين الدَّليل الشَّرعي والجذور التَّاريخيَّة
قديم بتاريخ : اليوم الساعة : 07:57 AM




زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) من أبرز الشَّعائر الدِّينيَّة التي احتلت مكانةً رفيعة في وجدان أتباع أهل البيت (عليهم السلام)؛ لما تحمله من أبعادٍ إيمانيَّة وعقائديَّة وتاريخيَّة عميقة. ومع اتِّساع الاهتمام بهذه الشَّعيرة، برزت تساؤلات حول أصل مشروعيَّتها، ومدى استنادها إلى الأدلة الشَّرعيَّة، وما يميِّزها عن سائر زيارات الإمام الحسين (عليه السلام). ومن هنا يأتي هذا الحوار؛ ليعرضَ الموضوع بأسلوب علمي هادئ، قائم على السُّؤال والجواب، مستندًا إلى الرِّوايات الشَّريفة، والتَّحليل اللغوي، والشَّواهد التَّاريخيَّة، بهدف بيان الأدلة لزيارة الأربعين، وإيضاح خصوصيَّتها في ضوء النُّصوص المعتبرة، وأقوال العلماء.

الشَّاب: كثيرًا ما نسمع عن زيارة الأربعين، ومكانتها العظيمة عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام)؛ ولكن قد يثار السُّؤال عن حقيقة هذه الزِّيارة، وأصل مشروعيَّتها، فما الدَّليل على استحبابها؟، وهل لها خصوصيَّة تختلف عن سائر زيارات الإمام الحسين (عليه السلام)؟

العالم: إنَّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) من أعظم الشَّعائر التي حثَّت عليها روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وقد وردت النُّصوص الكثيرة في فضل زيارته (عليه السلام) وآثارها الدُّنيويَّة والأخرويَّة. وتمتاز زيارة الأربعين بخصوصيَّة؛ لأنَّها وردت بعنوان مستقل، وارتبطت بأحداث تاريخيَّة وعقائديَّة مهمَّة، وأصبحت من أبرز مظاهر الولاء للإمام الحسين (عليه السلام).

الشَّاب: إذن لا بدَّ من البحث في أصل معنى الزِّيارة، والأدلة الخاصَّة بزيارة الأربعين، وما يرتبط بها من أحداث تاريخيَّة؟ لكن قبل الحديث عنها، ما معنى "الزِّيارة" في أصل اللغة؟

العالم: سؤال جميل؛ لأنَّ فهم الألفاظ يفتح باب فهم المعاني. إنَّ كلمة الزِّيارة مشتقة من مادة زَور بمعنى الميل، "يُقَال: زارَني فلانٌ يَزورُني زَوْراً وزِيَارَةً. والزَّوْرُ: الَّذي يَزُورك، رَجُل زَوْرٌ، رِجَالٌ زَوْرٌ، وامرأَةٌ زَوْرٌ، ونِسَاءٌ زَوْرٌ. وأَصل زار إِلَيْهِ: مَال، وَمِنْه تزاور عَنهُ، أَي: مَال عَنهُ. وزَوِر يزوَر، أَي: مَال" (1).

الشَّاب: إذن فالأصل اللغوي هو الميل إلى الشَّيء؟

العالم: نعم، وهذا ما أكَّده الجوهريُّ أيضًا، حين قال: "الزَّور بالتَّحريك: الميل" (2)، وقال ابن فارس: "وَالزَّوَرُ: الْمَيْلُ. يُقَالُ ازْوَرَّ عَنْ كَذَا، أَيْ: مَالَ عَنْهُ. وَمِنَ الْبَابِ: الزَّائِرُ، لِأَنَّهُ إِذَا زَارَكَ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ غَيْرِكَ" (3).

الشَّاب: وهل ورد للزِّيارة معنى آخر عند أهل اللغة؟

العالم: ذكر ابن عباد أنَّ الزِّيارة تأتي أيضًا بمعنى العيادة، فقال: أنَّها بمعنى (عاد): "وزَارَه زَوْراً وزِيَارَةً وزُروَارَةً، وازْدَارَه: عَادَه" (4).

الشَّاب: هذا في اللغة، فكيف أصبحت الزِّيارة في الاصطلاح الشَّرعي؟

العالم: في عُرف المتشرعة، لا يُراد بالزِّيارة مجرَّد الانتقال من مكان إلى آخر؛ وإنَّما هي: قصدُ قبورِ الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) والأولياء والصَّالحين، أو التَّوجّه إليهم، تعظيمًا لهم، وتقرُّبًا إلى الله (تعالى)، وطلبًا للثَّواب، سواءٌ كانت بحضورٍ عند قبورهم أو بالتَّوجُّه إليهم من بُعد. والزِّيارات تنقسم على قسمين: زيارات عامَّة، يمكن للمؤمن أن يأتي بها في أيِّ وقت، وزيارات خاصَّة، اختَّصها الشَّارع أو وردت بها الرِّوايات في أزمنة معيَّنة. وزيارة الأربعين من أبرز الزِّيارات الخاصَّة، إذ تُؤدَّى في اليوم العشرين من شهر صفر، وهو يوم الأربعين من شهادة الإمام الحسين (عليه السلام). ولذلك عُرفت بزيارة الأربعين، وأصبحت من أعظم الشَّعائر الإسلاميَّة التي يتجدَّد فيها الولاء للإمام الحسين (عليه السلام) وإحياء نهضته المباركة.

الشَّاب: إذا كانت زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) مستحبة على نحوٍ عام، فهل زيارة الأربعين لها خصوصيَّة مستقلة، أم أنَّها تندرج ضمن هذا الاستحباب العام؟

العالم: في الحقيقة، أصل استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ثابت بأدلَّة كثيرة؛ بل إنَّ كثيرًا من النُّصوص الواردة في فضلها مستفيضة، ومتواترة.

الشَّاب: وهل من مثال على تلك الرِّوايات الشَّريفة؟

العالم: نعم، من أوضحها ما رواه محمَّد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، أنَّه قال: "مُرُوا شِيعَتَنَا بِزِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام)؛ فَإِنَّ إِتْيَانَهُ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ، وَيَمُدُّ فِي الْعُمُرِ، وَيَدْفَعُ مَدَافِعَ السُّوءِ، وَإِتْيَانَهُ مُفْتَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يُقِرُّ لَهُ بِالْإِمَامَةِ مِنَ اللَّهِ" (5).

الشَّاب: إذن، فاستحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) لا إشكال فيه.

العالم: هذا صحيح، ولذلك فإنَّ زيارة الأربعين من حيث الأصل يشملها هذا العموم؛ لأنَّها إحدى زيارات الإمام الحسين (عليه السلام).

الشَّاب: ولكن هل يكفي هذا العموم لإثبات خصوصيَّة زيارة الأربعين؟

العالم: هنا موضع البحث. فالكلام ليس في أصل استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ وإنَّما في وجود دليل خاص يثبت استحباب الزِّيارة في اليوم العشرين من شهر صفر بعنوانها الخاص، ويمنحها هذه المنزلة المتميِّزة.

الشَّاب: وهل وقع خلاف بين العلماء في ذلك؟

العالم: نعم، فقد نُقل عن بعضهم إنكار وجود دليل خاص على استحباب زيارة الأربعين، ورأى أنَّ ما ثبت إنَّما هو الاستحباب العام لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، من دون أن ينهض دليل مستقل يخصُّ يوم الأربعين.

الشَّاب: وهذا يعني أنَّ المسألة تحتاج إلى تحقيق علمي؟

العالم: بالضَّبط. ومن هنا كان من الضَّروري جمع النُّصوص ودراستها دراسةً دقيقة؛ ليتبيَّن هل قام الدَّليل الخاص على استحباب زيارة الأربعين أم لا. وهذا هو المقصود من هذا الحوار، وسنسير فيه خطوةً خطوة حتَّى تتبيَّن الحقيقة بدليلها.

الشَّاب: ذكرتم أنَّ البحث يدور حول وجود دليل خاص على زيارة الأربعين، فهل وردت روايات تتحدَّث عنها صراحة؟

العالم: نعم، لقد وردت روايتانِ في خصوص زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)، وأولاهما هي الرِّواية التي نقلها الشَّيخ الطُّوسي (رحمه الله) في كتاب (تهذيب الأحكام).

الشَّاب: وما مضمون هذه الرِّواية؟

العالم: يروي الشَّيخ الطُّوسي: أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى بْنِ أَحْمَدَ التَّلَّعُكْبَرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعَدَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْجَمَّالِ قال: "قَالَ لِي مَوْلَايَ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي زِيَارَةِ الْأَرْبَعِينَ: تَزُورُ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، وَتَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ وَحَبِيبِهِ، السَّلَامُ عَلَى خَلِيلِ اللَّهِ وَنَجِيبِهِ، السَّلَامُ عَلَى صَفِيِّ اللَّهِ وَابْنِ صَفِيِّهِ، السَّلَامُ عَلَى الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ، السَّلَامُ عَلَى أَسِيرِ الْكُرُبَاتِ وَقَتِيلِ الْعَبَرَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ وَلِيُّكَ وَابْنُ وَلِيِّكَ، وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ، الْفَائِزُ بِكَرَامَتِكَ…" (6).

الشَّاب: ولكن هل هذه الرِّواية معتبرة من جهة السَّند أيضًا؟

العالم: هذا هو موضع التَّحقيق. والذي يمكن البناء عليه هو اعتبار سندها.

الشَّاب: وكيف يكون ذلك؟

العالم: أوَّل ما يلفت النَّظر أنَّ الشَّيخ الطُّوسي (رحمه الله) افتتح السَّند بقوله: "جماعة من أصحابنا"، وقد يتساءل البعض: هل يؤثِّر هذا التَّعبير باعتبار الرِّواية؟

الشَّاب: بالفعل، فهذا التَّعبير لا يذكر أسماء الرُّواة.

العالم: صحيح؛ ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأنَّ لفظ "الجماعة" في اللغة والعرف لا يصدق إلَّا على ثلاثة أشخاص فأكثر. وعندما ينقل الخبر عدد من الرُّواة في طبقة واحدة، فإنَّ ذلك يورث الاطمئنان بسلامة النَّقل؛ لأنَّ تواطؤهم جميعًا على الكذب بعيد عادةً، فيكون هذا بنفسه موجبًا للوثوق بالرِّواية من هذه الجهة.

الشَّاب: إذن فهذه هي الخطوة الأولى في دراسة السَّند؟

العالم: نعم، فالبحث السَّندي يبدأ من أوَّل حلقات الإسناد، ثمَّ ينتقل إلى بقيَّة الرُّواة واحدًا بعد آخر، حتَّى يتَّضح مدى قوَّة الرِّواية ودرجة الاعتماد عليها، وعلى العموم يمكن أن تراجع لتتأكَّد من سند الرِّواية، وقد تأكَّدت من صحتها، واعتبارها(7).

الشَّاب: ذكرتم أنَّ الرِّواية الأولى تُثبت خصوصيَّة زيارة الأربعين، فهل توجد روايات أخرى تؤيد هذا المعنى؟

العالم: نعم، هناك رواية أخرى وردت في كتاب تهذيب الأحكام للشَّيخ الطُّوسي (رحمه الله)، وهي ما رُوي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنَّه قال: "علاماتُ المؤمن خمسٌ: صَلاةُ الخَمسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"(8).

الشَّاب: هذه الرِّواية تبدو صريحة في ذكر زيارة الأربعين ضمن علامات المؤمن، أليس كذلك؟

العالم: بلى، فهي من الرِّوايات المهمَّة في هذا الباب؛ لأنَّها تذكر زيارة الأربعين بعنوانها الخاص، وتجعلها من العلامات المميِّزة للمؤمن، إلى جانب أعمال وخصائص أخرى.

الشَّاب: ولكن هل سند هذه الرِّواية بنفس قوَّة الرِّواية الأولى؟

العالم: هنا يوجد اختلاف؛ فهذه الرِّواية وإن كانت دالة في مضمونها، إلَّا أنَّ سندها لا يخلو من ضعف؛ لأنَّها وردت بطريق الإرسال، أي: أنَّ بعض الرُّواة لم يُذكروا في سلسلة السَّند.

الشَّاب: وهل يعني ضعف السَّند سقوط الرِّواية، وعدم إمكانيَّة الإفادة منها؟

العالم: ليس بالضَّرورة؛ فهناك قاعدة أصوليَّة معروفة عند فقهاء الإماميَّة تُسمَّى: (قاعدة التَّسامح في أدلة السُّنن)، ومفادها: التَّساهل في أدلَّة الأحكام الشَّرعيَّة غير الواجبة والمحرَّمة، كالمستحبات والمكروهات، وهي قاعدة فقهيَّة أصوليَّة بيانها: إنَّ خبر غير الثِّقة إذا لم تكن هناك أمارات على صدقه فهو ليس بحجَّة، لكن قد يستثنى من ذلك الأخبار الدالة على المستحبات والمكروهات، أو على مطلق الأوامر والنَّواهي غير الإلزاميَّة، فيقال بأنَّها حجَّة في إثبات الاستحباب أو الكراهة ما لم يعلم ببطلان مفادها.

الشَّاب: وما هو مستند هذه القاعدة؟

العالم: مستند هذه القاعدة الفقهيَّة مجموعة من الرِّوايات الصَّحيحة، وغيرها التي دلَّت على أنَّ من بلغه عن النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أو عن أهل بيته (عليهم السلام) ثواب على عمل، فعمله كان له مثل ذلك الثَّواب، وإن لم يقله (صلَّى الله عليه وآله)، بدعوى أنَّ هذه الرِّوايات تجعل الحجيَّة لمطلق البلوغ في موارد المستحبات، فلا يلزم وجود خبر صحيح في المستحبات؛ بل يثبت الإستحباب حتَّى بالخبر الضَّعيف، ومن أجل هذا يعبَّر عن ذلك بالتَّسامح في أدلة السُّنن. والرِّوايات في هذا الباب كثيرة، منها ما رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليه السَّلام) أنَّهُ قَالَ: "مَنْ بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله) شَيْ‏ءٌ مِنَ الثَّوَابِ، فَعَمِلَهُ كَانَ أَجْرُ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله) لَمْ يَقُلْهُ"(9). وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ عَلى شَيْءٍ، فَصَنَعَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلى مَا بَلَغَهُ"(10). وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: "مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَمَلٍ، فَعَمِلَ ذلِكَ الْعَمَلَ الْتِمَاسَ ذلِكَ الثَّوَابِ، أُوتِيَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ كَمَا بَلَغَهُ"(11).

الشَّاب: وهل هذه القاعدة مقبولة عند العلماء؟

العالم: نعم، فقد بنى على حجيتها مشهور فقهاء الإماميَّة، ولذلك يمكن الإفادة من هذه الرِّوايات في مقام إثبات الاستحباب، وإن كان سندها لا يصل إلى قوَّة الرِّواية الأولى.

الشَّاب: وإذا لم نعتمد عليها استقلالًا، فهل لها قيمة في البحث؟

العالم: بالتَّأكيد، فهي على أقل تقدير مؤيدة للرِّواية المعتبرة السَّابقة؛ لأنَّ اجتماع الرِّوايات في مضمون واحد يقوي جانب الاطمئنان بوجود أصل خاص لزيارة الأربعين، ويكشف عن شهرة هذا الأمر ووروده في نصوص أهل البيت (عليهم السلام).

الشَّاب: أصبح لدينا رواية معتبرة في أصلها، ورواية أخرى مؤيدة لها، وهذا يعزِّز البحث عن خصوصيَّة زيارة الأربعين؟

العالم: نعم، وهذا ما يفتح الطَّريق للقول بأنَّ زيارة الأربعين ليست مجرَّد تطبيق للعموم الوارد في استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ وإنَّما لها خصوصيَّة وردت فيها نصوص مستقلة ينبغي دراستها.

الشَّاب: قد يطرح بعض الباحثين احتمالًا آخر في تفسير رواية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فهل يمكن أن يكون المقصود من عبارة "زيارة الأربعين" فيها هو زيارة أربعين مؤمنًا، لا زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)؟

العالم: هذا احتمال ذُكِر؛ ولكن عند التَّأمل لا ينسجم مع القرائن الموجودة. فليس لدينا دليل يثبت استحباب زيارة أربعين مؤمنًا بعنوانها الخاص، لا بدليل معتبر، ولا حتَّى برواية ضعيفة يمكن الاستناد إليها في هذا الباب.

الشَّاب: ولكن ثبت استحباب زيارة المؤمنين عمومًا، أليس كذلك؟

العالم: نعم، فقد ورد استحباب زيارة المؤمن(12)، كما ورد استحباب الدُّعاء لأربعين مؤمنًا قبل طلب الحاجة(13)؛ لكن هذينِ الأمرينِ لا يثبتانِ وجود عنوان خاص يسمى "زيارة الأربعين" بمعنى زيارة أربعين شخصًا من المؤمنين.

الشَّاب: هل تقصد من ذلك أنَّه لا توجد قرينة روائيَّة تحمل اللفظ على هذا المعنى؟

العالم: بالضَّبط، فحمل الرِّواية على زيارة أربعين مؤمنًا يحتاج إلى دليل، وهذا الدَّليل غير موجود. أمَّا حملها على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين، فهو منسجم مع وجود النُّصوص الخاصَّة الواردة في ذلك.

الشَّاب: وما الذي يرجِّح هذا المعنى؟

العالم: إنَّ زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) قد ورد فيها نصٌّ خاص، ومنه الرِّواية السَّابقة التي نقلها الشَّيخ الطُّوسي (رحمه الله) عن الإمام الصَّادق (عليه السلام)، وهي معتبرة السَّند كما تقدَّم بيانه. ولذلك يكون تفسير "زيارة الأربعين" في رواية الإمام العسكري (عليه السلام) بزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) هو الأقرب والأوفق بالسِّياق الرِّوائي.

الشَّاب: فيكون هذا الاحتمال الآخر غير قائم أمام وجود الدَّليل الخاص؟

العالم: نعم، فالفرق واضح بين أمرينِ: استحباب زيارة المؤمنين بصورة عامَّة، وبين وجود شعيرة مخصوصة بعنوان: زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)، التي دلَّت عليها الرِّوايات الخاصَّة.

ثمَّ إنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كان في مقام بيان علامات المؤمن، أي: العلامات التي يُعرف بها أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وتمتاز بها هويَّتهم عن غيرهم.

وبعبارة أخرى: إنَّ العلامة التي يذكرها الإمام (عليه السلام) في هذا المقام لا بدَّ أن تكون من الأمور التي تختص بالمؤمنين من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، أو تكون ظاهرة في الانتماء إليهم. فالإمام (عليه السلام) لم يكن بصدد ذكر أعمال عامَّة يشترك فيها جميع المسلمين؛ بل كان بصدد بيان خصائص وعلامات مميزة.

الشَّاب: لو حملناها على زيارة أربعين مؤمنًا، فما الإشكال؟

العالم: الإشكال أن زيارة أربعين مؤمنًا يمكن أن يقوم بها الشِّيعي وغيره؛ لأنَّها لا ترتبط بخصوصيَّة مذهبيَّة أو ولائيَّة معيَّنة. وعليه، لا تكون علامة فارقة يُعرف بها المؤمن من أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

الشَّاب: إذن لا ينسجم هذا المعنى مع مقام الرِّواية؟

العالم: نعم؛ لأن جعل أمر غير مختص علامةً على فئة معيَّنة لا يكون مناسبًا لمقام البيان. فلو أراد الإمام (عليه السلام) الإشارة إلى زيارة أربعين مؤمنًا، لما كان لها وجه في عدِّها ضمن العلامات الخمس التي تميِّز المؤمنين عن غيرهم.

الشَّاب: بعد ما تقدَّم من الرِّوايات الشَّريفة، هل توجد شواهد تاريخيَّة تؤيِّد خصوصيَّة زيارة الأربعين؟

العالم: نعم، هناك شواهد تاريخيَّة يمكن أن تُعدَّ مؤيدة لهذا الاستحباب، ومن ذلك ما ذكره الشَّيخ الطُّوسي (رحمه الله) في كتابه (المصباح)؛ حيث قال: "يوم العشرين من صفر: هو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاريّ صاحب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ورضي عنه من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر أبي عبد الله (عليه السلام)، فكان أوَّل من زاره من النَّاس، ويستحب زيارته (عليه السلام) فيه وهي زيارة الأربعين"(14).

الشَّاب: وهل كان وصول جابر إلى كربلاء في هذا اليوم له دلالة خاصَّة؟

العالم: نعم، فإنَّ حضور أحد كبار أصحاب النَّبيِّ الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) في هذا اليوم وزيارته لقبر الإمام الحسين (عليه السلام) يكشف عن ارتباط يوم العشرين من صفر بزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) منذ وقت مبكر، ويُعطي بعدًا تاريخيًّا لشعيرة الأربعين.

الشَّاب: وهل وردت تفاصيل عن كيفيَّة زيارة جابر للإمام الحسين (عليه السلام)؟

العالم: نعم، فقد نقل السيِّد ابن طاووس (رحمه الله) في (مصباح الزائر) عن عطاء أنَّه قال: "كُنْتُ مَعَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، فَلَمَّا وَصَلْنَا الْغَاضِرِيَّةَ اغْتَسَلَ فِي شَرِيعَتِهَا وَلَبِسَ قَمِيصاً كَانَ مَعَهُ طَاهِراً، ثُمَّ قَالَ لِي: أَمَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الطِّيبِ يَا عَطَا؟ قُلْتُ: مَعِي سُعْدٌ، فَجَعَلَ مِنْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ مَشَى حَافِياً حَتَّى وَقَفَ عِنْدَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَكَبَّرَ ثَلَاثاً ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ :

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا آلَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا صَفْوَةَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا خِيَرَةَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا سَادَةَ السَّادَاتِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا لُيُوثَ الْغَابَاتِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا سَفِينَةَ النَّجَاةِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ إِسْمَاعِيلَ ذَبِيحِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عِيسَى رُوحِ اللَّهِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهِيدُ يَا ابْنَ الشَّهِيدِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا قَتِيلُ ابْنَ الْقَتِيلِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللَّهِ وَابْنَ وَلِيِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حُجَّةَ اللَّهِ وَابْنَ حُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ.

أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ، وَأَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبَرِرْتَ وَالِدَيْكَ، وَجَاهَدْتَ عَدُوَّكَ.

أَشْهَدُ أَنَّكَ تَسْمَعُ الْكَلَامَ وَتَرُدُّ الْجَوَابَ، وَأَنَّكَ حَبِيبُ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ وَنَجِيبُهُ، وَصَفِيُّهُ وَابْنُ صَفِيِّهِ. زُرْتُكَ مُشْتَاقاً فَكُنْ لِي شَفِيعاً إِلَى اللَّهِ.

يَا سَيِّدِي أَسْتِشْفِعُ إِلَى اللَّهِ بِجَدِّكَ سَيِّدِ النَّبِيِّينَ، وَبِأَبِيكَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ، وَبِأُمِّكَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلِيكَ وَظَالِمِيكِ، وَشَانِئِيكَ وَمُبْغِضِيكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.

ثُمَّ انْحَنَى عَلَى الْقَبْرِ وَمَرَغَ خَدَّيْهِ عَلَيْهِ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى قَبْرِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلَايَ وَابْنَ مَوْلَايَ، لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَكَ، لَعَنَ اللَّهُ ظَالِمَكَ، أَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِمَحَبَّتِكُمْ، وَأَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَدُوِّكُمْ.

ثُمَّ قَبَّلَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْتَفَتَ إِلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَى الْأَرْوَاحِ الْمُنِيخَةِ بِقَبْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا شِيعَةَ اللَّهِ وَشِيعَةَ رَسُولِهِ وَشِيعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا طَاهِرُونَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا مَهْدِيُّونَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَبْرَارُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَلَائِكَةِ اللَّهِ الْحَافِّينَ بِقُبُورِكُمْ، جَمَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ تَحْتَ عَرْشِهِ.

ثُمَّ جَاءَ إِلَى قَبْرِ الْعَبَّاسِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عَبَّاسَ بْنَ عَلِيٍّ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. أَشْهَدُ لَقَدْ بَالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَجَاهَدْتَ عَدُوَّكَ وَعَدُوَّ أَخِيكَ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى رُوحِكَ الطَّيِّبَةِ، وَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَخٍ خَيْراً .

ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا اللَّهَ وَمَضَى"(15).

الشَّاب: إنَّ هذه الحادثة تكشف أنَّ زيارة الأربعين ليست أمرًا مستحدثًا؟

العالم: هذا هو وجه الاستشهاد بها؛ فهي تؤكِّد وجود زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم العشرين من صفر في عصر مبكر، وأنَّ هذا اليوم ارتبط بذكرى زيارة جابر بن عبد الله الأنصاري، ممَّا يشكِّل شاهدًا تاريخيًّا يؤيد ما ورد في الرِّوايات الخاصَّة بزيارة الأربعين.

الشَّاب: بقيت مسألة لغويَّة مهمَّة في فهم رواية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وهي ما يتعلَّق بلفظ "الأربعين"، فهل للتَّركيب اللغوي أثر في تحديد المقصود منه، فقد سمعت من أحد الخطباء أنَّ الألف واللام لها خصوصيَّة، وليست مطلقة أو عامَّة؟

العالم: نعم، فاللغة العربية لها دلالاتها الدَّقيقة، ومن ذلك دخول (الألف واللام) على كلمة الأربعين. فإنَّ هذه يمكن حملها على (لام العهد)، أي: أنَّ الاسم الذي تدخل عليه يكون أمرًا معروفًا ومعهودًا بين المتخاطبين.

الشَّاب: هل يمكن توضيح هذه النُّقطة؟

العالم: "تنقسم (أل) المعرفة إلى ثلاثة أقسام؛ وذلك أنَّها: إمَّا لتعريف العهد أو لتعريف الجنس أو للاستغراق، فأمَّا التي لتعريف العهد، فتنقسم قسمين؛ لأنَّ العهد إمَّا ذكري وإمَّا ذهني؛ فالأوَّل كقولك اشتريت كتابًا ثمَّ بعت الكتاب أي: بعت الكتاب المذكور، ولو قلت: ثمَّ بعت كتابًا لكان غير الكتاب الأوَّل. والثَّاني كقولك: جاء القاضي إذا كان بينك وبين مخاطبك عهد في قاضٍ خاص. وأمَّا التي لتعريف الجنس: فهي التي تدخل على الاسم للدلالة على جنسه أو حقيقته، لا على فردٍ معيّن. ومن أمثلة ذلك: الإنسانُ مفطورٌ على التَّعلُّم، والحديدُ معدنٌ صلب، والشَّجرةُ تحتاج إلى الماء. وفي جميع الأمثلة، المقصود بيان الماهيَّة أو حقيقة الجنس كلِّه لا شخصًا أو شيئًا بعينه.

وأمَّا التي للاستغراق فعلى قسمين؛ لأنَّ الاستغراق: إمَّا أن يكون باعتبار حقيقة الأفراد أو باعتبار صفات الأفراد فالأول نحو (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)(16)، أي: كل واحد من جنس الانسان ضعيف، والثَّاني نحو قولك: أنت الرَّجل، أي: الجامع لصفات الرِّجال المحمودة"(17).

الشَّاب: وكيف يؤثِّر ذلك في تفسير الرِّواية؟

العالم: إذا قلنا: إنَّ المراد من "زيارة الأربعين" هو زيارة أربعين مؤمنًا، فإنَّ هذا المعنى لا ينسجم مع لام العهد؛ لأنَّ المؤمنين الذين تستحب زيارتهم ليسوا أشخاصًا معينينَ، ولا أمرًا معهودًا حتَّى يقال: زيارة الأربعين. فالعدد هنا غير مرتبط بفرد أو مناسبة معلومة.

الشَّاب: بخلاف زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)؟

العالم: نعم، فزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين أمر معروف ومعهود بين الشِّيعة، وهو يوم العشرين من شهر صفر، ولذلك صحَّ دخول (اللام العهديَّة) عليها؛ لأنَّ المقصود أمر حاضر في أذهان المتشرعة، لا يحتاج إلى بيان لفظي طويل.

الشَّاب: وهل هناك شاهد على أنَّ العلماء فهموا الرِّواية بهذا المعنى؟

العالم: نعم، فإنَّ العلماء الذين نقلوا هذه الرِّواية الشَّريفة، وأدرجوها في كتبهم جعلوها ضمن أبواب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم يجعلوها في أبواب استحباب زيارة المؤمنين، وهذا يكشف عن فهمهم للرِّواية، وأنَّهم كانوا يرون أنَّ المراد من زيارة الأربعين هو الزِّيارة الحسينيَّة الخاصَّة. فالسِّيرة المتوارثة بين المسلمين الشِّيعة كانت قائمة على إحياء يوم الأربعين وزيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) فيه، وهي سيرة متَّصلة بما ورد من زيارة الإمام زين العابدين (عليه السلام) وعيال الإمام الحسين (عليهم السلام)، ولقد اشتهر عند العلماء أنَّ أوَّل من وفد إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم العشرين من شهر صفر هو الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (رضوان الله عليه)، صاحب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)(18).

نقل السيِّد محسن الأمين العاملي (رحمه الله) في (أعيان الشيعة) هذه الحادثة، فقال: "ثمَّ أنَّ يزيد أمر بردِّ السَّبايا والأسارى إلى المدينة، وأرسل معهم النعمان بن بشير الأنصاري في جماعة، فلمَّا بلغوا العراق قالوا للدَّليل: مر بنا على طريق كربلاء، وكان جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، ورجال من آل الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السلام)..."(19).

الشَّاب: وهل أشار العلماء إلى هذه الحادثة؟

العالم: نعم، فقد أشار السيِّد ابن طاووس في كتابه اللهوف إلى هذا المعنى(20)، كما نقل العلَّامة المجلسي في (بحار الأنوار): "والمشهور بين الأصحاب أنَّ العلَّة في ذلك (زيارة يوم الأربعين) رجوع حرم الحسين (صلوات الله عليه) في مثل ذلك اليوم إلى كربلا عند رجوعهم من الشَّام، وإلحاق عليِّ بن الحسين (صلوات الله عليه) الرُّؤوس بالأجساد"(21). وذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب (مسار الشيعة): "وفي اليوم العشرين منه كان رجوع حرم سيِّدنا ومولانا أبي عبد الله (عليه السلام) من الشَّام إلى مدينة الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله)، وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حزام الأنصاري صاحب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله(، ورضي الله تعالى عنه من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر سيِّدنا أبي عبد الله( (عليه السلام)، فكان أوَّل من زاره من النَّاس"(22).

الشَّاب: وهل ذكر غير علماء الإماميَّة هذه المناسبة؟

العالم: نعم، فقد ذكر أبو الرَّيحان البيروني: "وفي العشرين –من صفر- ردّ رأس الحسين إلى مجثمه، حتَّى دفن مع جثَّته؛ وفيه زيارة الأربعين، وهم حرمه بعد انصرافهم من الشَّام"(23).

الشَّاب: لذلك، يمكن القول: إنَّ جابرًا كان أوَّل زائر في الأربعين؟

العالم: نعم، فالمشهور أنَّ الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ومعه عطيَّة العوفي ومعه جماعة من بني هاشم، ورجال من آل الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) كانوا أوَّل من زار قبر الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، وأنَّ هذه الزِّيارة وقعت في اليوم العشرين من شهر صفر، وهو اليوم الذي عُرف لاحقًا بزيارة الأربعين الحسينيَّة.

الشَّاب: إذن اجتماع الدلالة اللغويَّة مع السِّيرة العمليَّة يقوي هذا الفهم؟

العالم: نعم، فالنَّتيجة أنَّ حمل "زيارة الأربعين" على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) هو الموافق للغة والسِّياق والسِّيرة؛ لعدم وجود قرينة تدل على أنَّ المراد زيارة أربعين مؤمنًا، ولأنَّ اللام تفيد العهد، ولأنَّ العهد المعروف عند المتشرعة هو زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في اليوم العشرين من صفر.

الشَّاب: بعد هذا البيان، يتَّضح أنَّ زيارة الأربعين لها جذور شرعيَّة ولغويَّة وتاريخيَّة.

العالم: نعم، فقد دلَّت الرِّوايات على استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، ووردت النُّصوص الخاصَّة بزيارة الأربعين، كما تؤكد السِّيرة التَّاريخيَّة ارتباط يوم العشرين من صفر بهذه الشَّعيرة منذ عصر مبكر.

الشَّاب: وما الرِّسالة التي ينبغي أن يحملها الزَّائر؟

العالم: أن يدخل إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بقلب واعٍ، فيجمع بين العلم والمحبَّة والاقتداء والعمل؛ لأنَّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست وصولًا إلى مكان فقط؛ وإنَّما وصول إلى رسالة ومبدأ ومنهج.

وبذلك، خلص الحوار إلى أنَّ زيارة الأربعين هي شعيرة تستند إلى أسُس متينة، تؤيِّدها الرِّوايات الخاصَّة، وتدعمها السِّيرة العمليَّة للمؤمنين منذ العصور الأولى. كما بيَّن أنَّ خصوصيَّة هذه الزِّيارة تنبع من ارتباطها بالإمام الحسين (عليه السلام) ورسالته الإصلاحيَّة الخالدة، ممَّا يجعلها مناسبةً لتجديد الولاء لقيم الحقِّ والعدل والتَّضحية. ................................................

الهوامش:

1. تهذيب اللغة: ج١٣، ص١٦٣.

2. صحاح اللغة: ج٢، ص٣٦٧.

3. مُعجم مقاييس اللغة: ج٣، ص٣٦.

4. المُحكم والمُحيط الأعظم: ج٩، ص١٠٠.

5. تهذيب الأحكام: ج٦، ص٤٢.

6. تهذيب الأحكام: ج٦، ص١١٣. مصباح المتهجد: ص788. إقبال الأعمال: ج3، ص101.

7. ينظر: رجال النجاشي: ص٤٣٩. الفهرست: ص٢٧٧. تعليقة الوحيد على منهج المقال: ج٥، ص٣٧٤. رجال النجاشيّ: ص١٩٨. تهذيب الأحكام: ج٦، ص٥٢.

8. تهذيب الأحكام: ج٦، ص٥٢.

9. وسائل الشيعة: ج1، ص81.

10. الكافي (دار الحديث): ج3، ص225.

11. م. ن.

12. يُنظر: الكافي (دار الحديث): ج3، ص449.

13. ينظر: وسائل الشيعة (الإسلامية): ج4، ص1154.

14. مصباح المتهجد: ص٧٨٧.

15. مصباح الزائر: ص286-288.

16. سورة النساء/ الآية: 28.

17. ينظر: شرح قطر النَّدى وبل الصدى (ابن هشام الأنصاري): 112-113.

18. ينظر: اللهوف في قتلى الطفوف: 86.

19. أعيان الشيعة: ج1، ص617.

20. ينظر: اللهوف في قتلى الطفوف: ص112.

21. بحار الأنوار: ج98، ص332.

22. مسار الشيعة: ص46.

23. الآثار الباقية عن القرون الخالية: ص422.






من مواضيع : صدى المهدي 0 الثورة الحسينيَّة في الشعر المبكر
0 زيارة الأربعين.. بين الدَّليل الشَّرعي والجذور التَّاريخيَّة
0 تحولات الإنسان في النهضة الحسينية.. من الغرائزية إلى العقلانية
0 الزيارة بالنيابة- يوم الأربعين
0 نحو صحن ساقي العطاشى الاف المعزين يتجهون
رد مع اقتباس