عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية السلوك الزينبي
السلوك الزينبي
عضو نشط
رقم العضوية : 73209
الإنتساب : Jul 2012
المشاركات : 214
بمعدل : 0.05 يوميا

السلوك الزينبي غير متصل

 عرض البوم صور السلوك الزينبي

  مشاركة رقم : 24  
كاتب الموضوع : السلوك الزينبي المنتدى : المنتدى الثقافي
افتراضي
قديم بتاريخ : 28-07-2012 الساعة : 08:20 PM


20. شدّ الرحال من جديد
ونادى المنادي بالرحيل بمضمون: حيَّ على خير العمل. فحمل كلٌّ خرجه، وسِرنا حتّى وصلنا إلى مفترق الطريقين، حيث الطريق الموصل إلى القرية الخربة، وإذا غبُر الوجوه قد ظهروا من بعيد كالدخان الأغبر، فسألت الموكّل بالطريق: « ألا يمكن أن لا يصحبنا هؤلاء غبُر الوجوه ؟ ».
فقال: « هؤلاء صور نفوسكم الحيوانية ذات القوتين: قوّة الشهوة، وقوّة الغضب، ولا يمكن أن تنفصل عنكم، إلاّ أنّها متلوّنة، تتغيّر ألوانها، فهناك السوداء الفاحمة، وهناك السوادء الفاتحة والبيضاء، وهناك البيضاء الناصعة، كما أنَّ أسماءها تختلف أيضاً: فهذه الأمّارة، وتلك اللوّامة، والثالثة المطمئنة (41). فإذا صارت بيضاء ومطمئنة، كانت كثيرة الخير لكم، وبالغة بكم أعلى الدرجات، حتّى تصبحوا سرور الملائكة، وهذه نعمة ينعم الله بها عليكم، ولكنّكم تكفرون بالنعمة، وتظهرونها كأنّها النقمة. إنّ كلّ ما فعلتموه فعلتموه في الدنيا، وكلّ بذر بذرتموه فقد كان هناك، ونموه في فصل الربيع ليس بيدكم: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (42).
والمثل العربي يقول:
« في الصيف ضيّعتِ اللبن » (43).
التحق بنا غبُر الوجوه، كلّ بصاحبه، وسرنا وتفرّق شملنا. تخلّف عنا واحد أو اثنان مع أغبرَيهما ، وتقدّمنا واحد أو اثنان، وكنت أسير مع أغبري حتّى وصلنا إلى سفح جبل، حيث ضاق الطريق وأصبح وعراً، وكان في أسفل الجبل وادٍ عميق، إلاّ أنّ قعر الوادي كان أرضاً منبسطة، ولكنّي كنت أودّ السير على الجبل؛ لأنّ الهواء في الوادي كان خانقاً. أسرع إليّ الأغبر وأيّد رأيي قائلاً: إنّه فضلاً عن انحباس الهواء في الوادي، هناك الحيوانات المفترسة والزاحفة، بينما يمكن في المرتفعات التمّتع بالنظر إلى الأطراف.
وبما أنّي في أوائل دراستي في العالم المادي كنت في الأعلى ومتفوقاً على الأقران، اتخذت طريق الجبل صعداً، ولكن لم نجد ثمّة طريقاً إلى القمّة، فأخذنا نسير على السفح، غير أن الطريق لم يكن مستوياً، ولتحرّك الحصى تحت قدمي انزلقت، ووقعت عدّة مرّات، وتدحرجت بضعة أمتار، وكدت أتدحرج إلى أسفل الوادي، ولكنّي كنت أتمسّك بالحشائش والصخور لئلاّ أسقط، إلاّ أن يديّ ورجليّ وجنبي أُصيبت بالجروح والخدوش، وانكسر أنفي عند اصطدامي بصخرة (44).
فقلت للأغبر: « ما أبدع تمتّعنا بالمناظر في هذه المرتفعات! ليتني كنت قد سرت في الوادي ».
كان الأغبر يضحك منّي، ويقول: « لقد سبق لك أن قرأت:
« من استكبر وضعه الله، ومن استعلى أرغم الله أنفه ».
ولكنك لم تتّعظ، فيقال لك: ذُقْ إنَّكَ أنْت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (45).
على كلّ حال.. استطعت التخلّص من ذلك السفح الخطر بعد تحمل الكثير من المشاقّ والمتاعب بجسم مجروح مكدود. إلاّ أن الشخص المسكين الذي كان يسبقني في الطريق على السفح نفسه قد هوى من ذلك العلوّ إلى الوادي، وسمعت صوت أنينه يتعالى، بينما جلس أغبره إلى جانبه يضحك منه، وبقي هناك.
والخلاصة: إنّني وصلت بعد العناء المهلك إلى أرض سهلة لم ألقَ فيها كثيراً من الصعاب، لولا العطش وحرقة تلك الجروح. ولقد حاول الأغبر أن يقنعني عدّة مرات بدلائل عقلية لإخراجي من الطريق، ولكنّي لم أُعِره أُذناً صاغية، على الرغم من ميلي إلى ذلك. وإذْ رأى أنّني لم أطعه، تخلّف ورائي في السير.

________________________________

41 ـ النفس الأمّارة: هي التي وردت في سورة يوسف، الآية 52: « وما أُبرِّئُ نفسي إنّ النفْسَ لأمّارةٌ بالسوءِ إلاّ ما رَحِم ربّي ». والنفس واللّوامة هي التي وردت في سورة القيامة، الآية 2: « ولا أُقسمُ بالنفسِ اللّوامة ». أمّا النفس المطمئنة التي هي أعلى درجة من درجات النفس فقد وردت في سورة الفجر الآيات 26 و 27 و 28 « يا أيّتها النفسُ المطمئنةُ ارجِعي إلى ربِّكِ راضيةً مرضيّةً * فادخلي في عبادي * وادخلي جنّتي ».
42 ـ الواقعة / 64.
43 ـ هذا مثل عربي يُضرب لمن يطلب شيئاً قد فوّته على نفسه، وأصله أن دختنوس بنت لقيط كانت امرأة لعمرو بن عُدس وكان شيخاً، فأبغضته فطلّقها، وتزوّجها فتىً جميل الوجه. وأجدبت السنة فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال المثل.(المترجم).
44 ـ هذا كناية عن أنّ شموخ الأنف سوف يتحطّم في هذا العالم ويُمرّغ في التراب.
45 ـ الدخان / 49. وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي أنّ أبا جهل كان يرّدد دائماً بزهوٍ « أنا العزيز الكريم » فيقال له ولأمثاله يوم القيامة باستهزاء « ذق إنّك أنت العزيز الكريم ».


من مواضيع : السلوك الزينبي 0 حسبي الله ونعم الوكيل
0 قصة و عبرة
0 "المرأة إنسان بل إنسان عظيم "
0 🍘عشر جواهر تضيء حياتك ..🍮
0 قصة فتاة أحبها الجميع ...... لكن من تزوجها؟؟
رد مع اقتباس