|
عضو برونزي
|
رقم العضوية : 54354
|
الإنتساب : Aug 2010
|
المشاركات : 254
|
بمعدل : 0.05 يوميا
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
فارس اللواء
المنتدى :
المنتدى العام
بتاريخ : 04-03-2012 الساعة : 01:48 AM
ويجمل طه عبد الرحمن مبادئ روح الحداثة في ثلاثة مبادئ هي: الرشد، والنقد، والشمول.
فمبدأ الرشد يعني الانتقال من حال القصور إلى حال الرشد، ويتكون من ركنين هما: "الاستقلال" و"الإبداع". ويقتضي الاستقلال استغناء الإنسان الراشد عن كل وصاية أو سلطة تحول بينه وبين ما يريد أن ينظر فيه، والتطلع إلى أن يشرّع لنفسه مطلِقاً بذلك حركتَه وذاتَه. وأما الإبداع فهو أن يسعى الإنسان الراشد إلى إبداع أفكاره وأقواله وأفعاله، وتأسيسها على قيم يبدعها أو يعيد إبداعها باستمرار.
أمّا مبدأ النقد فيعني به: الانتقال من مرحلة الاعتقاد إلى مرحلة الانتقاد، ويتكون أيضاً من ركنين هما: "التعقيل" و" التفصيل"؛ فالتعقيل؛ إخضاع الظواهر والمؤسسات والسلوكات والموروثات لمبادئ العقلانية؛ بغية الإحاطة بها (أي بالظواهر). وتُعدُّ العلوم الطبيعية والبيروقراطية والرأسمالية أبرز صور التعقيل الحداثي. أما التفصيل فيقصد به: تحويل العناصر المتشابهة إلى عناصر متباينة. وقد ظهرت أشكال هذا التفصيل في ميادين شتى: المعرفة، والقانون، والفنون، والاقتصاد وغيرها، ويمكن أن يُضمَّ إلى هذا أشكال أخرى من الفصل اقترنت بالحداثة، مثل: الفصل بين الدين والدولة، والفصل بين الدين والأخلاق، والفصل بين الدين والعقل، والفصل بين الأخلاق والسياسة.
ويرى طه عبد الرحمن أن "مبدأ الشمول" يقوم على الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول، سواء أكانت تلك الخصوصية خصوصية مجال أم خصوصية مجتمع. وبهذا فإنَّ الشمول يتكون أيضاً من ركنين هما: "التوسع" و"التعميم"؛ فالتوسع يعني امتداد أفعال الحداثة إلى كل مجالات الحياة والسلوك؛ الفكر، والعلم، والدين، والأخلاق، والقانون، والسياسة، والاقتصاد. وأما التعميم فالقصد به ارتحال منتجات الحداثة وقيمها إلى عامة المجتمعات، وعملها على محو الفروق بينها. وقد تجلى هذا بوضوح في مبدأ العولمة.
وتترتب على تعريف روح الحداثة على هذا النحو نتائج أساسية، تتلخص في أنَّ روح الحداثة تختلف عن واقع الحداثة؛ لأنَّ روح الحداثة مبدأ لا يستنفده تطبيق واحد، فلا بدّ أن يكون له تطبيقات مختلفة مرتبطة بسياقات وافتراضات خاصة. وبناء عليه؛ فإنَّ واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة. وإذا كانت روح الحداثة متأصلة إنسانياً وتاريخياً، فإنَّ هذه الروح ليست من صنع المجتمع الغربي، وإنَّما هي من صنع المجتمع الإنساني في مختلف أطواره، وقابلة للتحقق في مجتمعات أخرى غير المجتمع الغربي الحاضر.
وهكذا فإنَّ الأمم الحضارية كلها تستوي في الانتساب إلى روح الحداثة. ولا يدل تراكم المعارف وتجدد القيم، ولا حتى تأخر التطبيق –بالضرورة- على الأفضلية ومزيد التحقق بروح الحداثة، فها هو التطبيق الغربي دخلت عليه آفات مختلفة جعلت نتائجه في كثير من الحالات مضادة لمقصود أصحاب الحداثة وتوقعاتهم ومراهناتهم، ولا أدلّ على هذا من الأدواء غير المسبوقة، والإشعاع النووي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وتلوث البيئة، والاحتباس الحراري، والأزمات المالية والاقتصادية المختلفة.
ويذهب طه عبد الرحمن إلى أنَّ واقع المجتمعات الإسلامية يشهد أنَّه أقرب إلى الحداثة المقلَّدة منه إلى الحداثة المبدِعة، فلا حداثة مع وجود التقليد؛ إذ إنّ الحداثة لا تنقل من الخارج، وإنَّما تبتكر من الداخل، ولا تُنال إلا بطريق الإبداع. ومن هنا صار ابتكار الحداثة الإسلامية الداخلية يستلزم إبطال المسلمات التي صاحبت تطبيق الغرب لروح الحداثة، وأدخلت عليه آفات تختلف باختلاف أركان هذه الروح.
|
|
|
|
|