|
عضو برونزي
|
رقم العضوية : 14260
|
الإنتساب : Dec 2007
|
المشاركات : 1,024
|
بمعدل : 0.16 يوميا
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
ربيبة الزهـراء
المنتدى :
منتدى الجهاد الكفائي
بتاريخ : 09-05-2011 الساعة : 10:23 PM
ومن عوامل تدني درجة احترام العمامة؛ عامل التباعد المرجعي. فهذا التشتت في ما بين المرجعيات الذي وصل في أحيان إلى حد المحاربات المكشوفة والفتاوى المتضادة أعان على تغيير نظرة الناس إلى المعممين ورجال الدين، وكيف لا وهم ينظرون إلى إمام مسجد فلاني يكرّس طاقاته وجهوده كلها لمحاربة مرجعية أخرى منافسة ويدعو المصلين إلى عدم الصلاة في المسجد الذي يمثلها لأن الصلاة خلف إمامه باطلة! وكيف لا وهم يرون المعممين يتناطحون في ما بينهم لأجل الاستحواذ على الساحة وتأليبها ضد خصومهم! وكيف لا وهم اكتشفوا أن كثيراً من أولئك المعممين يقولون ما لا يفعلون (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)!
ولو أن المرجعيات حاولت بحق أن تقرب المسافات في ما بينها من خلال نظرية (شورى الفقهاء) الحضارية؛ لارتفعت معظم الحواجز في ما بينها ولتلاشت معظم الخلافات إلى حد كبير، خاصة تلك التي كان للقوى الاستعمارية الدور الرئيسي في إذكاء نارها لإدراكها بأن توحد المرجعيات يعني نشوء قوة إسلامية صلبة تدفع بالمسلمين للتغيير والتصدي لمحاولات الاستغلال الغربية، وتكوين الدولة الإسلامية العالمية الواحدة في مرحلة متقدمة.
ثم لا يُغفل في هذا الإطار دور الكتل الحزبية في تأجيج الساحة، وهي ذاتها التي ساهمت في إلغاء محدّدات رجل الدين وشروط أهليته لذلك، فرفعت ومجدت من ينجسم معها، وحطت من قدر من يختلف وإياها. وهذا المطلب يحتاج إلى تفصيل غير أننا نكتفي بهذا المقدار حول عامل التباعد المرجعي لننتقل إلى العامل الثالث والذي نطلق عليه (استغلال العمامة)!
إن كثيرين من الذين أرادوا تحقيق طموحاتهم الشخصية وجدوا في العمامة وسيلة سهلة لذلك، خاصة بعدما أصبح نيلها سهلاً بالالتفات للعاملين الأول والثاني اللذان ذكرناهما آنفاً. أولئك شوّهوا كثيراً سمعة رجل الدين المعمم، حيث إنهم استغلوا العمامة استغلالاً بشعاً ومأساوياً، وبعضهم قدّم إلى العامة صورة منحطة لرجل الدين فالواحد منهم تراه لم يحصِّل العلوم الدينية إلا لفترة وجيزة يعود بعدها لينخرط في المجتمع ويفصّل الأحكام كما يحول له وكيفما شاء، وذلك يعود إلى عدم رغبته بمواصلة الدراسة الحوزوية أصلاً فالهدف عنده هو مجرد لبس (العمامة).
أذكر ذات ليلة أني كنت جالساً في ديوان أحد التجار هنا في البلد، وبينما كنت أتجاذب أطراف الحديث معه حول إحدى المشاريع وإلى جانبي سماحة الخطيب الشيخ مرتضى الشاهرودي، وإذا بثلاثة من المعممين الإيرانيين يدخلون ويسلمون على الحاضرين فرداً فرداً، حتى إذا وصلوا إلى صاحب الديوان قبّلوا رأسه! ثم بدءوا بالحديث معه طالبين منه بعض المال. كان التاجر ذكياً فجرّهم في الكلام إلى أن اعترفوا أنهم قدموا خصيصاً من إيران للتسول لا أكثر! وأنهم دفعوا كذا وكذا لمن استقدمهم ببطاقة زيارة (فيزا)، والعجيب فيهم التبجح والقهقهة خلال حديثهم! عندئذ التفت سماحة الشيخ الشاهرودي إليّ قائلاً: (أ رأيت كيف يأتي هؤلاء الحثالة ليسودوا وجه رجال الدين؟!) وخرج غاضباً. كان هذا موقفاً غريباً شهدته للمرة الأولى، غير أني سألت التاجر عن أمثال أولئك فقال: (أنت لا تعلم.. يأتيني في السنة ما لا يقل عن ألف رجل من هذا النمط)!!
إن حالات انتحال شخصية عالم الدين زادت في الآونة الأخيرة، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك أيضاً من انتحل شخصية مرجع التقليد وهو ليس كفؤا للبس العمامة أصلاً! ولم يعد مستغرباً من مثل هذا أن ترى صورته - وهو في زيه العلمائي الكامل وعمامته السوداء الكبيرة - في لقاء صحافي أجرته معه مجلة خلاعية تركية إلى جوار صورة لامرأة متجردة من ثيابها تماماً! ولم يعد مستغرباً ممن كان همّه الظهور السياسي أن يُشاهَد بعمامته في صحيفة كويتية فاتحاً جلبابه ومتحدثاً عن حلِّية الأفلام الجنسية ومغامراته الشبابية وخدماته لمن يعانون ضعفاً في الاستجابة الجسدية! ولم يعد مستغرباً أن يظهر زعيم لإحدى أهم فصائل المعارضة الإسلامية العراقية على شاشة فضائية عربية متحاوراً مع مذيعة سافرة تلبس لباساً مثيراً! ولم يعد مستغرباً أيضاً أن يخرج مجموعة معممين من طورهم ويرقصون بعمائمهم أمام الملأ رقصة (الدبكة) اللبنانية ابتهاجاً بانسحاب القوات الصهيونية من الجنوب! والأمثلة تتوالى.
هؤلاء لا يهمهم أمر العمامة وسمعة الدين والمذهب، فقد أخذوها وسيلة لتعويض النقص الذي يشعرون به إزاء المجتمع الذي رفض المصلحيين، تماماً كما تفعل المرأة السافرة التي تضع على وجهها أطناناً من مساحيق التجميل وتتفنن باستخدام أحدث أنواع العطور والملابس الفاتنة، لأنها تعاني من عقدة نقص تعود إلى إحساسها بأن الرجال يرونها قبيحة الشكل والمظهر. هنا يظهر الجانب السلبي من حياة الإنسان، ذلك الجانب الذي يقوده إلى ارتكاب المحرمات في سبيل نيل مطالبه الدنيوية.
لقد لعب هؤلاء دوراً أساسياً في زعزعة احترام الناس لشخصية علماء الدين، الذين كانوا يحظون في ما مضى باحترام واسع من قبل المجتمع. لقد أصبحت العمامة مع الأسف مهنة من لا مهنة له!
ونحن لا نملك إزاء تشخيصنا لهذه الحالة المزرية إلاّ أن ندعو الناس إلى التفريق بين الصالح والطالح، فما كل من إرتدى العمامة معمم حقاً، وما كل من لبس جلباب الدين عالم حقاً. والتمييز أمر ضروري حتى لا يُغرر بالأمة ولا تنقاد لمن لا يستحق. على أننا نؤكد أن الحوزات العلمية وهي حصون آل محمد (عليهم الصلاة والسلام) ستبقى بعون الله تعالى تحت نظر مولانا صاحب العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فيحميها بقدسيته من الاستغلال والاختراق والتشويه، وهو القائل (صلوات الله عليه): (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).
وإن كان للمؤمنين من دور في هذا الصدد فإنه يكمن بتمسكهم أكثر وأكثر بالمراجع والعلماء الأعلام الذين تثق بصلاحهم الأمة فتسلمهم أمر قيادتها لأنهم القادة بنص الشارع المقدس، ولا ينبغي أن تتزعزع هذه العقيدة في نفوسنا حيث إن تكثيف إرتباطنا بالعلماء الأجلاء سيساعد كثيراً على تنقية الصفوف ممن ينتحل هذه الشخصية المقدسة ويوظفها لخدمة مصالحه وطموحاته. فالمصلحيون أولئك لا يمثلون بأي حال من الأحوال هذا الدين العظيم وهذه المدرسة الإمامية النورانية.
|
|
|
|
|